وأما الحي الغائب، فهذا لا يجوز سؤاله مطلقًا، لا فيما يقدر عليه ولا فيما لا يقدر عليه.
ومن دعا ميتًا أو غائبًا بمثل هذا، فإنه مشرك، لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا.
إذًا متى يكون الدعاء عبادة لله عز وجل؟
إذا دعا الله وصرف السؤال سؤال الطلب لله عز وجل، أو التعبد لله عز وجل. نقول: هذا دعاء، وصرف الدعاء عبادة، بمعنى أنه تعبد لله عز وجل، ويتذلل ويخضع لله بذلك فهو موحد.
حينئذ متى يُحْكم عليه بصرف العبادة التي هي الدعاء لغير الله، متى يقال إنه شرك؟
نقول: هنا يفسر باعتبار المدعوّ، إن كان ميتًا فهو شرك مطلقًا، لا يُفصل فيما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه، وإن كان حيًّا فإما أن يكون غائبًا، وإما أن يكون حاضرًا، غائبًا لا يسمعك، وإما أن يكون حاضرًا يسمعك لأن الكلام في السؤال. إن كان غائبًا فمطلقًا يعتبر شركًا أكبر، لو قال: يا زيد اسقني ماءً. نقول: هذا شرك أكبر، وهو لا يسمعه، لماذا؟ لأنه قد جعل له ما كان صفة لله عز وجل، لأن سعة السمع التي تُدرك كل شيء هذه خاصة لله عز وجل، والحي هذا لا يمكن سواء كان حاضرًا أو غائبًا، لا يُجعل له هذا الوصف الخاص بالله عز وجل، وأما إن كان حاضرًا فيُفَصّل فيه بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، إن سُئل ما لا يقدر عليه، كأن يقول: يا فلان اشفِ مريضي. هذا يعتبر شركًا أكبر ولو كان حيًّا حاضرًا. وإن كان فيما يقدر عليه - كالمثالين الذين ذكرهما الشيخ - فحينئذٍ نقول: هذا لا بأس به.
إذًا الدعاء يُعتبر شركًا إذا كان متعلقه الميت، أو الحيّ فيما لا يقدر أو الغائب مطلقًا بهذه الضوابط الثلاثة.
قال: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] ) .
بعدما ذكر الدعاء، ذكر العبادة الثانية وهي عبادة الخوف، ودلل عليها بقوله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} .
الخوف هو الذعر، وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه ضرر أو هلاك. الانفعال يعني قلق واضطراب في القلب، يضطرب القلب يصيبه قلق هذا هو الخوف، قلق واضطراب، يرتجف القلب، يُسمي ذُعْرًا، ويُسمى خوفًا.
هذا الخوف أنواع: لا يُحكم عليه بكونه كله عبادة لا، بعضه يكون عبادة وبعضه يكون غير عبادة، بل هو عادة.
إذًا خوف عادة، وخوف عبادة، وإذا كان كذلك حينئذ لا بد من الاستفسار والتفصيل، فيقال: الخوف على أربعة أنواع:
(الذعر والانفعال والقلق والاضطراب) باعتبار الْمَخُوفِ منه لها أربعة أنواع:
النوع الأول: الخوف الْطَبَعِي، وهذا مباح في الأصل، لماذا؟ لأنه ليس بعبادة ولا ينافي الإيمان، ليس بعبادة لأنه أمر فطري، الإنسان يرى سبع يضحك إليه؟! يبتسم! ماذا يحصل؟ لا بد من الخوف، لا بد أن يصير نوع من .. ، نقول: هذا طبيعي لا ينافي الإيمان لأنه ليس بعبادة. كخوف الإنسان من السبع ومن النار والغرق، والحية ونحو ذلك، وهذا لا يلام عليه العبد إذ انعقد سببه،