هنا قوله: (أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا) أي الوجوب؟ الوجوب العيني، ولا شك، بدليل ماذا؟ لا بد من دليل لا نثبت الحكم الشرعي إلا بدليل شرعي، ما الدليل على أن هذه المسائل واجبة؟ نقول: السورة {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ما بعد إلا مناقض لما قبله في الحكم، يعني {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فليسوا في خسارة، ويجب على المكلَّف أن يبتعد وأن يتجنب طريق الخسران، ولا يمكن ذلك إلا بسلوك طريق الإيمان والعمل الصالح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا دليل الوجوب هنا. وكذلك أجمع أهل العلم على هذا.
إذًا الآية أو السورة سورة العصر تدل على وجوب تعلم هذه المسائل، ووجه الاستدلال نقول: أثبتَ الرب جل وعلا أن كل إنسان في خسارة، خسارة في الدنيا وفي الآخرة، والخسارة كما سيأتي قد تكون مُطْلَقَةً، وقد تكون من وجهٍ دون وجهٍ، ولا يمكن تجنب هذا الخسران إلا بالاتصاف بما بعد إلا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويأتينا إشارة تقريره أكثر من هذا في شرح السور.
(أَنَّهُ يَجِبُ) إذًا عرفنا معنى الوجوب، الوجوب عند أهل العلم أوسع مما أراده المصنف هنا رحمه الله، لأن الواجب: ما طَلَبَ الشارع فعله طلبًا جازمًا. قد يكون داخل الماهية، ولا تقوم تلك الماهية إلا به، وهو ما يسمى بالركن. وقد يكون خارجًا سابقًا عن الماهية ولا تقوم تلك الماهية إلا به، وهذا يُسَمَّى الشرط.
إذًا الواجب قد يكون ركنًا - تنبه لهذه المسألة، قلَّ من نبه عليها في الشروح - الواجب قد يكون ركنًا وهو جزء الماهية الداخل في حقيقتها.
وَالرُّكْنُ جُزْءُ الذَّاتِ وَالشَّرْطُ خَرَجْ ... وَصِيْغَةٌ دَلِيلُهَا فِي المُنْتَهَجْ
إذًا الركن جزء الماهية الداخل في حقيقتها. مثل ماذا؟ الركوع داخل في ماهية الصلاة، هل تقوم الصلاة بدون ركوع؟ لا، لا يوجد صلاة بدون ركوع مع القدرة، كذلك السجود ركن، الفاتحة ركن، أليس كذلك؟ السلام نقول: ركن، التسليمة الأولى ركن، فنقول: لا تقوم حقيقة الصلاة إلا بوجود هذه الأركان، إذًا الركوع واجب أم لا؟ واجب، لماذا؟ لأنه يصدق عليه حد الواجب ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا.
الطهارة للصلاة يُسمِّيها أهل العلم ماذًا؟ شرط، وهل الشرط مغايرٌ للواجب؟ أم أن الواجب وصف للشرط؟ وصف للشرط، لأن الطهارة طلب الشارع فعلها طلبًا جازمًا، لو قام كبر هكذا عامدًا متعمدًا لم يتطهر وهو ذاكر، ما حكمه؟ صلاته باطلة أو لا؟ باطلة صحيح؟ لو قام فكبر دون وضوء ما توضأ؟ عامد [كده من رأس] ؟ باطلة صلاته غير صحيحة. [هاه] [لا يمتنع عقلًا، لا نقول: باطلة. الباطل يوصف به الشيء إذا دخل فيه صحيحًا، يعني لو كبّر توضأ وكبّر الله أكبر، وهو قد استوفى الشروط. نقول: انعقد صلاته أو لا؟ انعقدت، لو خرج منه ريح نقول: بطلت صلاته. لماذا عبَّرنا بالبطلان؟ لأنه قد دخل الصلاة بوجهٍ صحيح.
أما لو جاء دون وضوء وقال: الله أكبر. هل انعقدت دخل في الصلاة؟ لا، ما انعقدت صلاته، فلا نصفها بالبطلان.
إذًا الطهارة للصلاة نقول: هذه شرط وهي واجبة.