إذًا لا بد أن يكون معلومًا قبل التكلم، لا بد أن يكون معلومًا للمخاطب قبل التكلم، والجملة الإنشائية إنما تحصل الفائدة بالتكلم نفسه لا قبل التكلم، أما الجملة الخبرية فهي ما حصلت فائدتها قبل التكلم لا بالتكلم، وهذا سبق بيانه في (( الملحة ) )، الفرق بين الخبر والإنشاء.
إذًا فرق بين الجملة الطلبية إن وقعت نعتًا فالأصل المنع، وإن وقعت خبرًا فالجمهور على الجواز، وفرق بين النعت والخبر أن النعت جيء به ... للإيضاح.
ووصفه للكشف والتخصيص أو ... تأكدٍ والمدح والذم رأوا
إذًا الأصل في النعت إنما جيء به لزيادة إيضاح المنعوت ولكشفه وبيانه، وهذا لا يكون إلا معلومًا عند المخاطب، ولا يصح أن يكون في الجملة الإنشائية، أما الخبر الحكم فالأصل فيه أن يكون مجهولًا هذا هو الأحسن والأفضل أن يكون مجهولًا، ولذلك يصح أن يقع بالجملة الطلبية التي لا تقع الفائدة إلا بالتكلم لا قبل التكلم.
أيضًا الذي يدل على جواز وقوع الطلبية سماعها عن العرب
وجد الفرزدق أسعف به
وجد الفرزدق أسعف، جد مبتدأ، أسعف هذا خبر، أيضًا أجاز النحاة جواز الرفع قبل الجملة الطلبية إذا اشتغل الفعل الطلبي بضمير يعود على الاسم، زَيْدٌ اضْرِبْهُ هذه يجوز فيه الوجهان، زَيْدٌ زَيْدًا
واختير نصب قبل فعل ذي طلب
زَيْدٌ اضْرِبْهُ، زَيْدًا اضْرِبْهُ، يجوز في زيد وجهان:
الرفع على أنه مبتدأ وجملة خبر، النصب على أنه منصوب بفعل محذوف وجوبًا، وتصير الفعل اضْرِبْ زَيْدًا اضْرِبْهُ.
فالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد أظهرا
واختير نصب، إذا كان الاختيار بالنصب دل على أن الرفع جائز، وإذا دل على أن الرفع جائز لا يمكن أن يكون عندنا إلا مبتدأ، وإذا كان مبتدأ لا بد أن يكون جملة اضْرِبْهُ واقعة خبر للمبتدأ.
كذلك في باب نِعْمَ وبِئْسَ يجوز عندهم تقديم المخصوص بالمدح أو بالذم، زَيْدٌ بَئْسَ الرَّجُل، بَئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ هذا الأصل، ويجوز تقديم المقصود بالذم هنا، زَيْدٌ بَئْسَ الرَّجُل، ما إعراب زَيْدٌ؟ مبتدأ، أين خبره؟ جملة بَئْسَ الرَّجُل، ما نوعها؟ إنشائية، وهذا باتفاق. إذًا صح وقوع الإنشائية خبرًا عن المبتدأ.
نعود إلى الشرط الأول وهو: أن جملة الخبر لا بد أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ.
الروابط التي ذكرها النحاة المذكورة أربعة وبعضهم زاد عليها:
الأول: الضمير. أن تكون الجملة الاسمية أو الفعلية مشتملة على ضمير يعود على المبتدأ، زَيْدٌ أَبُوهُ قَائِمٌ أين الضمير؟ في أَبُوهُ الذي في المبتدأ الثاني، زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ، أَبُوه الذي هو الفاعل اتصل بضمير يعود على نفس المبتدأ السابق. إذًا الضمير يُعتبر من الروابط بين المبتدأ والخبر، لماذا اشترطوا أن الجملة لا بد لها من رابط؟
قالوا: لأن الجملة في الأصل كلام مستقل، الجملة قبل جعلها جزءًا للكلام هي كلام مستقل، فلما أريد جعلها جزء الكلام قالوا: لا بد من رابط بين الجزأين وهو واحد من أربعة أمور، والأصل في هذه الروابط هو الضمير وما عدا الضمير خلف عنه، قيل: لأن الضمير في الأصل موضوع لهذا الغرض وهو: الربط بين الأجزاء. هذا الضمير قد يكون:
ظاهرًا.
وقد يكون مستترًا.