تميز رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الناس أجمعين بصفات ومميزات شتى، فكان عليه السلام متفردا في أخلاقه عظيما في صفاته، جليلا في أعماله، رحميا في حروبه ... وقد أحاطت بغزواته صلى الله عليه وسلم ومعاركه جملة من الخصائص الربانية والسمات الأخلاقية جعلتها تختلف عن الحروب في القديم والحديث، وتفردت حروبه بسمات جعلتها أقرب إلى المثال منها إلى الواقع، فكما كان صلى الله عليه وسلم رحميا بأعدائه في حالة السلم، وكان رفيقا بهم في حالة الحرب. ويمكن إجمال هذه الخصائص للحروب النبوية، في المباحث التالية:
* المطلب الأول: الربانية / الرحمة والسماحة / العفو والصفح.
1 -الربانية:
من أهم خصائص الحرب في السيرة النبوية: الربانية والمقصود بها: أن مصدر الأمر بها من الله عز وجل، وأسمى أهدافها: نيل رضاه وتحصيل ثوابه تعالى، لذا وجب على المسلمين بذل الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله {إن الله اشترى من المومنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] . وقال الله تعالى أيضا في حق المجاهدين في سبيل الله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعلمون} [التوبة: 120 و 121] .
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات:"ففي هذه الآيات أشد ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والاحتساب كما يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير" [1] .
واعتبارا لهذه الخاصية امتنع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن القتال في مكة، حتى لرد العدوان ورفع الظلم عن أنفسهم، لأن القتال لم يكن مؤذونا فيه، فكان صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالصبر والتحمل، وبعد الهجرة النبوية إلى المدينة: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [] فشرع الله الجهاد وأمر به وحببه النبي صلى الله عليه وسلم إلى
(1) -"تيسير الكريم الرحمن"للسعدي، ص: 397.