هذا الفصل مهم جدا لمعرفة العلاقة بين المسلمين ومخالفيهم في الدين، وهل هي قائمة على السلم أو الحرب؟ فإن كان الأصل في العلاقة مع غير المسلمين هو: السلم، فمقتضى ذلك أنه هو القاعدة العامة، والحرب أمر استثنائي خارق للقاعدة، والناس في الأصل مسالمون تنشأ بينهم علاقات التبادل المنفعي والتعاون المشترك تلقائيا، وإن لم يكن بينهم عهود ومواثيق.
أما إذا كان الأصل في هذه العلاقة هو: الحرب، فذلك يقتضي أنها القاعدة العامة، والسلم استثناء عكس القاعدة السابقة، فالعلاقة قائمة على الحرب والقتال، والأصل أن الحرب قائمة ومعلنة بين المسلمين وغيرهم حتى يطرأ ما يوقفها من اتفاقات ومواثيق، وعندها يكون السلم الذي هو: الصلح.
* المبحث الأول: الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم: السلم أو الحرب؟.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
-القول الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو: الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة، فقد جاء في شرح"العناية على الهداية"للبابرتي [1] ، الحنفي قوله:"وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية واجب وإن لم يبدأوا بالقتال. للعمومات الواردة في ذلك كقوله تعالى: {وقاتلوا المشركين} و {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة} و {كتب عليكم القتال} وغيرها، فإن قيل العمومات معارضة بقوله تعالى: {فإن قاتلوكم فقاتلوهم} فإنه يدل على أن قتال الكفار إنما يجب إذا بدأوا القتال، أجيب بأنه منسوخ" [2] . وجاء في"الكافي"لابن عبد البر المالكي:"وكل من أبى من الدخول في الإسلام، أو أبى إعطاء الجزية"
(1) - البابرتي: هو محمد بن محمد بن محمود الحنفي [أكمل الدين] ، ولد سنة 710 هـ وتوفي سنة 786 هـ، فقيه، أصولي، فرضي، مفسر، محدث، كان محترما من ذوي السلطان:"شذرات الذهب": 06/ 293.
(2) -"شرح العناية مع شرح فتح القدير"للبابرتي: 5/ 441.