إن الحرب سنة كونية، وظاهرة اجتماعية في المعاملات بين الأمم والشعوب والدول، وقد شهد العالم وقاسى منذ فجر الإنسانية حروبا طاحنة، ومعارك ضارية، وكانت هذه الحروب حروب إبادة، لا يسلم منها البشر ولا الحجر، تستبيح كل شيء دون قيود أو ضوابط، ولا تعترف بأخلاق ولا فضائل.
بزغ فجر الإسلام، وسطع نوره على أرجاء الأرض وبعث الرسول الخاتم والرحمة المهداة محمد صلى الله عليه وسلم فغير مبادئ الحروب، وقيدها بأهداف سامية، وضبطها بأخلاق فاضلة وقيم راسخة. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خاض حروبا عدة، في سبب تبليغ دعوة الله إلى الناس، لكنه لم يعمد قط إلى الحرب كوسيلة من وسائل نشر الإسلام، حيث كانت الحرب في الإسلام تطورا طبيعيا تقتضيه طبيعة الدعوة نفسها، وتهيئه ظروفها وملابساتها وموقف الكفار المعاندين منها.
لقد سن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في حروبه وغزواته أخلاقيات لم يعرفها البشرية طوال تاريخها الدموي في حروبها المريرة، ولم تكن هذه الأخلاقيات والقيم رؤى نظرية أو معرفة ذهنية فحسب، بل كانت واقعا معيشا وتطبيقا عمليا في كافة غزواته عليه السلام، وتأتي السيرة النبوية الخالدة خير شاهد على هذه الأخلاق، إذ سجلت أحداثها ووقائعها جميع تحركاته الحربية والعسكرية كما سجلت أيضا رفعة أخلاق المجاهدين المسلمين، وسمو خصالهم في المعارك والحروب.
"وهنا يضع التاريخ إكليل الخلود على قادة حضارتنا عسكريين ومدنيين، فاتحين وحاكمين، إذ انفردوا من بين عظماء الحاضرات كلها بالإنسانية الرحيمة العادلة في أشد المعارك احتداما، وفي أحلك الأوقات التي تحمل على الانتقام والثأر وسفك الدماء. وأقسم لولا أن التاريخ يتحدث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصدق، لا مجال للشك فيه، لقلت أنها خرافة من الخرافات، وأسطورة لا ظل لها على الأرض" [1] .
كانت لحروب الرسول صلى الله عليه وسلم بواعث منطقية، وأهداف نبيلة، وضوابط محددة وأخلاق رفيعة، وكل ذلك يتعارض مع سمات الحروب الجاهلية والمعاصرة، والتي تحركها
(1) -"من روائع حضارتنا"لمصطفى السباعي، ص: 73.