الحرب لما استثنى الشرع هؤلاء، فاستثناؤهم برهان ودليل على أن القتال إنما هو لمن يقاتل دفعا لعدوانه.
وقد استند هذا الفريق أيضا إلى المعنى المعقول وقالوا: إن وسائل الإكراه والقهر لا يمكن أن تنجح أبدا لفرض الدين في القلوب والنفوس، لأن الدين أساسه الاقتناع، وهذا شيء قلبي محض، واعتقاد داخلي، وما كان كذلك فطريقه الحجة، والبرهان والاقتناع، لا لإكراه والقوة، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] .
هذه أدلة أصحاب القولين معا، ولهم على بعضهم البعض مناقشات وردود، لكن هناك موقف آخر يمكن استنتاجه من بعض أقوال أهل العلم قديما وحديثا وهو أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو دعوتهم أولا إلى الإسلام، كمرحلة أولى ومهمة لا يسبقها غيرها، بل إن الدعوة إلى الإسلام هي البوابة الأولى لتحديد نوع العلاقة مع غير المسلمين بعد ذلك [1] . فالأمة الإسلامية مطالبة شرعا بنشر دينها وتبليغ رسالة ربها للناس أجمعين.
ولعل أول من أصل لهذا القول - في رأيي المتواضع - هو محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الفذ:"السير الكبير"، قائلا:"وإذا لقي المسلمون المشركين فإن كانوا قوما لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم، وإن كان قد بلغهم الإسلام، ولكن لا يدرون أن نقبل منهم الجزية، فينبغي ألا نقاتلهم حتى ندعوهم إلى إعطاء الجزية، به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال، قال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم وصاغرون} [التوبة: 29] إلا أن يكونوا قوما لا تقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، فإذا أبوا الإسلام قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية" [2] .
وحتى يكون الكلام أكثر وضوحا في هذه المسالة، فإنه ينبغي أن نتعرف على طبيعة الدعوة الإسلامية والنصوص التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، وعندئذ يتحدد أصل هذه العلاقة.
(1) - يرى بعض الباحثين المعاصرين أنه لا يسوغ مسألة علاقة المسلمين بغيرهم هل هي سلم أم حرب، لأن فيها إيهاما إلى اللبس في شأن هذه العلاقة: هل هي قبل التبليغ أم بعدها والفرق بين الأمرين شاسع انظر مثلا:"أحكام المعاهدات في الفقه الإسلامي"للعيساوي، ص: 50 و"الجهاد والقتال في السياسة الشرعية"للدكتور محمد خير هيكل: 1/ 828.
(2) -"السير الكبير مع شرح السرخسي": 1/ 57 و 77.