وأهلهم واحترامها، وجريان أحكام المسلمين عليهم من التوارث وغيرها، وأما الأمم النائية عنه فإن الله رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
والوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإن لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواءا لهذا المرض" [1] ."
وقد شملت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماحته وقت السلم ووقت الحرب، كما شملت الأحباب والأعداء وكانت سمة بارزة في جميع حروبه، حتى شهد الكفار بذلك قبل المسلمين، يقول المستشرق جوستاف لوبون:"ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب" [2] . وما ذلك إلا للمبادئ الرحيمة والأخلاق العالية وروح التسامح التي كانت تصاحب جيوش المسلمين في حروبهم، فكانت الحروب النبوية رحمة لما شرعه عليه السلام من تشريعات تتعلق بها، فحدد أولا بواعثها فلا يمكن للحرب في الإسلام أن تندلع إلا بموجب أسبابها الوجيهة، ثم رسم بعد ذلك مقاصدها وأهدافها، فالحرب في الإسلام ليست تدميرية ولا تخريبية وإنما ضبطها النبي صلى الله عليه وسلم بضوابط محددة ورسم لها مقاصد معينة متى تحقق انتهى القتال وتوقفت الحرب، كما خلق النبي صلى الله عليه وسلم حروبه بأخلاقيات رفيعة قبل بدء القتال وأثناءه وبعده، كل ذلك رحمة وسماحة.
العفو والصفح عند المقدرة من الصفات الفاضلة والأخلاق الحميدة التي تميز بها الرسول صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب، وسيرته صلى الله عليه وسلم خير شاهد على ذلك، فقد تجلت فيها هذه الأخلاق الرفيعة في غير ما موقف أو تصرف أو معاملة ... ومن ذلك:
1 -بعد النصر في غزوة بدر [رمضان في السنة 02 للهجرة] ، كان عمير بن وهب الجمحي أحد شياطين قريش يومئذ، وكان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وقد جلس مرة مع صفوان بن أمية، واتفقا على اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم فحشد سيفه بالسم وأتى المدينة يريد مقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدخلوه علي، فلما رآه الرسول عليه السلام وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرسله يا
(1) -"جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام"لابن القيم: 2/ 44.
(2) -"حضارة العرب"لغوستاف لوبون، ص: 146.