فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 55

* المطلب الثالث: بواعث الحروب في السيرة النبوية.

كانت دوافع الحروب في الجاهلية كثيرة، وبواعثها عديدة وأسبابها متنوعة، ولكن القاسم المشترك بينها هو أن فتيل الحروب كان يشتعل لأتفه الأسباب وأحقرها كالاختلاف على الماء والمرعى بسبب جفاف الصحراء وقلة الموارد أو الرغبة في السلب والغارة أو بدافع الانتقام والثأر أو حمية الجاهلية وعصبيتها أو حبا في الزعامة والرياسة .... وكانت الحروب إذا اندلعت استمرت لأعوام طويلة مهدرة الكثير من الأرواح والنفوس كحرب داحس والغبراء والتي عمرت أربعين سنة وكانت بسبب سباق بين فرسين.

غير أن الحروب في السيرة النبوية جاءت نزيهة وبعيدة كل البعد عن هذه البواعث الدنيئة، والدوافع العدوانية، فتميزت بباعث ديني أخلاقي هو الدافع الأصلي والحقيقي لها ألا وهو: الرغبة في إعلاء كلمة الله وإخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

ومما لا ريب فيه أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم كلها، كانت عادلة ولأهداف سامية، إنها حروب إنسانية سمتها الأخلاق الفاضلة، ليس هدفها القتل وسفك الدماء وسبي النساء، إنما هدفها أن يعبد هؤلاء المشركون الله عز وجل، ويفردونه بالوحدانية.

قد تتعدد بواعث الخروج إلى القتال، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على تصحيح النية ويدعوهم إلى إخلاصها لله عز وجل. فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال عليه السلام: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [1] . وفي رواية:"يقاتل حمية"وفي أخرى:"يقاتل غضبا"، قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على الحديث:"فالحاصل من روايتهم: أن القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، وإظهار الشجاعة والرياء والحمية والغضب وكل منهما يتناوله المدح والذم، فلهذا لم يحصل الجواب بالإثبات ولا النفي" [2] . ولذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بإجابة في غاية البلاغة فقال عليه السلام:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا". وقال ابن حجر رحمه الله:"المراد بكلمة الله: دعوة الناس إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سبب"

(1) - أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب رقم: 56: الجهاد والسير: باب رقم 15: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، رقم الحديث: 2810: 2/ 501.

(2) -"فتح الباري"لابن حجر العسقلاني: 6/ 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت