فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 55

* المبحث الرابع: أخلاق الحرب في السيرة النبوية.

إن المتأمل لواقع حروب النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته، يجد أنها حبلى بالأخلاق الفاضلة، والقيم السمحة، فإذا كان حسن الخلق ولين الجانب والرحمة بالضعيف، والتسامح مع القريب تفعله كل أمة من الأمم في أوقات السلم، لكن كل ذلك يغيب في أوقات الأزمات والحروب، ولا يستطيع كل قائد حربي أن يتصف به أو يأمر به، ولكن السجل التاريخي للحروب النبوية ناصع البياض في ضمان أخلاق القتال والمعارك، وما سطره النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه من روائع التسامح والعفو والصفح والرحمة في ميادين الوغى وساحات القتال، سيظل شاهدا على تسامح الإسلام والمسلمين مع غيرهم، لا في أوقات السلم فحسب، ولكن في أشد اللحظات خطرا، لأن رؤية الدم تثير الدم، والعداوة تؤجج نيران الحقد والغضب، ونشوة النصر تسكر الفاتحين المحاربين وتوقعهم في أبشع أنواع التشفي والانتقام، فأي سماحة هذه، وأي رحمة اتصف بها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ميادين القتال والنزال."وأقسم لولا أن التاريخ يتحدث عن هذه المعجزة الفريدة في تاريخ الأخلاق الحربية بصدق، لا مجال للشك فيه، لقلت إنها خرافة من الخرافات، وأسطورة لا ظل لها على الأرض" [1] .

ويمكن تقسيم أخلاقيات الحروب في السيرة النبوية إلى ثلاثة مباحث:

* المطلب الأول: أخلاق قبل بدء القتال.

-أولا: اليسر في تجنيد الجنود وتسيير الجيوش، فقد كان صلى الله عليه وسلم يغلب جانب الطواعية في المشاركة في الجهاد، ويقبل أعذار المخلفين ويأذن لهم ويستغفر لهم حتى عاتبه الله في ذلك: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة: 43] . فلم تعهد غزوات النبي صلى الله عليه وسلم إجبارية التجنيد، كما هو ديدن الدول المعاصرة التي تدعي حقوق الإنسان وحمايتها، بل إن الإسلام رفع مشقة الجهاد عن المرضى وأصحاب الأعذار الشرعية، قال تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [الفتح: 17] .

وكان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تسيير الجيوش: تفحص أفراده فردا فردا، فكان عليه السلام يرد من استصغره أو من لا يقوى على حمل السلاح والجهاد به.

(1) -"من روائع حضارتنا"لمصطفى السباعي، ص: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت