وقال الإمام النووي رحمه الله:"الناس صنفان فأما الذين قاتلوا أهل السلام أو أجلوهم عن أوطانهم أو أعانوا على شيء من ذلك، فمن الظلم المنهي عنه أن يتولاهم المسلمون، ويحسنوا إليهم، ولهؤلاء وأمثالهم شرع القتال ليفسحوا للدعوة سبيلها، وأما الذين لم يفعلوا شيئا من ذلك فلا على المسلمين في الإحسان إليهم، والبذل لهم، ولو كان هؤلاء ممن أمر بقتالهم لما ساغ ذلك، فعسى أن يكون فيه قوة لهم، مع أن إضعاف العدو بكل وسيلة من أخص ما يعني به المحاربون" [1] .
وأعتقد بهذا التفصيل السابق تجتمع الأدلة، ويتم إعمالها جميعا، وتنزل النصوص على محالها، وأما كون الأصل الأول الذي يتحدد به نوع العلاقة مع غير المسلمين هو دعوتهم إلى الإسلام قبل قتالهم فهذا محل اتفاق بين أهل العلم [2] ، لأدلة كثيرة منها:
1 -قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب يوم خيبر:"أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" [3] .
2 -كان صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم يقول:"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ...." [4] .
3 -قال ابن عباس رضي الله عنهما:"ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم" [5] . وقال الطبري:"أجمعت الحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أعداءه من أهل الشرك إلا بعد إظهار الدعوة وإقامة الحجة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمراء السرايا بدعوة من لم تبلغه الدعوة" [6] .
(1) -"شرح صحيح مسلم"للنووي: 1/ 98 و 99.
(2) - انظر مثلا:"المغني"لابن قدامة: 9/ 172 و"كشاف القناع"للبهوتي: 3/ 40.
(3) - أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب رقم: 62: فضائل أصحاب النبي: باب رقم: 9: مناقب علي بن أبي طالب: رقمه 3701: 2/ 655.
(4) - أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب رقم: 32: الجهاد والسير: باب رقم: 2: تأمير الإمام الأمراء ... رقم الحديث 4538: 3/ 666.
(5) - أخرجه أحمد في مسنده، رقم الحديث: 2105 والدارمي في سننه رقم الحديث: 2444.
(6) -"اختلاف الفقهاء"للطبري، ص: 02.