أخلاقيات الحروب
في السيرة النبوية
شهد التاريخ الإسلامي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحتى العصر الحديث العديد من الغزوات والمعارك الحربية الفاصلة التي غيرت وجه العالم، وخاض المسلمون تلك المعارك دفاعا عن النفس ولمواجهة الغزاة الذين جاؤوا من كل حدب وصوب إلى بلادهم في المشرق والمغرب طمعًا في ثرواتها الطبيعية الوفيرة، وسعيًا دؤوبًا منهم لبلوغ هدفهم القديم لاحتلال أراضي بلاد المسلمين والسيطرة على موقعها الفريد ذي الأهمية البالغة على خريطة العالم·
ومن خلال القراءة المتأنية لمقدمات وأحداث تلك المعارك الإسلامية وظروفها التاريخية يتضح لنا عدم صحة ما ذهب إليه المستشرقون الحاقدون على الإسلام عندما زعموا أن الإسلام انتشر بحد السيف، فالحقيقة التي تعمد المستشرقون تجاهلها هي أن الإسلام انتشر في الشرق والغرب من دون إراقة دماء الأبرياء ودخلت معظم شعوب العالم في الإسلام بسبب تسامح العقيدة الإسلامية وعدل الإسلام وحسن الأخلاق التي يدعو إليها، وأمام حرص المسلمين في عصور الاسلام الاولى على التخلق بأخلاق الإسلام فقد حبب غير المسلمين في الدخول في الدين الإسلامي أفواجا طواعية من دون كره أو حرب.
كما أن الحروب التي خاضها المسلمون كانوا مجبرين على خوضها كرها للدفاع عن أنفسهم ودينهم الحنيف وحريتهم، وحماية لأوطانهم وحضارتهم من أولئك الغزاة مصداقًا لقول الله سبحانه وتعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة 190)
وتعد تلك المعارك صفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي تستفيد الأجيال المتعاقبة من تجاربها، وتستخلص منها الدروس التي تبين عوامل النصر وأسباب الهزيمة، كما انها تعتبر منبعا خصبا لدروس العسكرية الإسلامية من خلال القيم والمبادئ الأخلاقية التي أقرها الإسلام في الحروب ومنها حسن معاملة الأسرى وعدم التعرض لدور العبادة والنساء والأطفال وكبار السن والشجر.
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من هواة الحرب، بل كان ينأى عنها ما وجد إلى ذلك سبيلًا؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الإسلام أو الجزية أولًا، وتميَّزت الحروب النبوية بأنها حروب غير دموية، بمعنى أنها لم يكن فيها ما يُعرف الآن بجرائم إبادة الشعوب، حيث نجد فيما يُسمى «بحضارات» العالم الحديثة أن بعض الزعماء أخذوا قرارات نتج عنها إفناءٌ لِكَمٍّ هائلٍ من البشر في مدينة أو دولة أو أحيانًا قارة! لكن حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن على هذه الصورة، ذلك أنه - كما ذكرنا - كان حريصًا على تجنب القتال ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وإذا اضطر إليه حاول أن ينهيه بسرعة، وأثناء القتال نفسه كان يحفظ دماء المدنيين، وكذلك يحفظ دماء المستكرهين على القتال، ثم بعد القتال كان يعفو إذا ملك، ويسامح ويرحم إذا غَلَب. فجاءت حروبه على مستوى من الرقي لا تعرفه -بل لا تفهمه- «الحضارات» الحديثة!