والجواب أن الأحاديث الدالة علي تحريم الكذب عامة ، فلا تخصص إلا بما خصصه الشرع ، والصورة المذكورة لم يأت دليل صحيح صريح في تخصيصها ، فلا عبرة بالتخمين ، ولا وجه للتخصيص . ولو فتح باب الكذب الذي لا مضرة فيه ، لامتطاه أناس رواغون ،وحصل به المفاسد ما لا يخفى .
وقد جاء ما يدل علي تحريم الكذب مطلقًا في قول جماعة من الصحابة ففي (( الأدب المفرد ) )للبخاري و (( تهذيب الآثار ) )لابن جرير ، عن ابن مسعود رضي الله تعالي عنه - قال: لا يصلح الكذب في جدولا هزل ، ولا أن يعد أحدكم ولده شيئًا ثم ينجز له . وفي لفظ: والذي لا إله غيره لا يصلح الكذب في هزل ولا جد . اقرأوا إن شئتم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( [ التوبة: 119 ]
وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( أنا زعيم بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحًا ) ).
وفي الصحيحين عن أسماء أن امرأة قالت: يا رسول الله إن لي ضرة ، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني ؟ قال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )) . وسيأتي الكلام عن هذا الحديث مفصلًا إن شاء الله .
وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عامر قال: أتي رسول الله ( في بيتنا ،وأنا صبي ، قال: فذهبت أخرج لألعب . فقالت أمي تعال أعطيك . فقال رسول الله (:(( إما إنك لو لم تعطه شيئًا ، كتبت عليك كذبة ) )حسنه العلامة العراقي ، والشيخ الألباني .
وقال: وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: (( من قال لصبي تعال هاك ، ثم لم يعطه شيئًا فهي كذبة ) ).
قال العلامة الروياني في (( البحر ) )
من كذب قصدًا ردت شهادته ، وإن لم يضر غيره ، لأن الكذب حرام بكل حال ... )) . ا هـ .
بواسطة نقل الهيتمي عنه في (( الزواجر ) )2/195 .