الصفحة 30 من 46

والثاني: أنها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيها شرطا كالابتداء؛ لأن الله سبحانه قد شرط فيه القبض إذ الوصف يجري مجرى الشرط، ومعلوم أنه يلزم من انعدام الشرط انعدام المشروط، فلا يبقى رهنا ولا يستحق بيعه عند الأجل.

وأما المعقول [1] :

فلأن الرهن شرع ليكون وثيقة بالدين وكونه كذلك لا يتأتى إلا بحبس العين المرهونة تحت يد المرتهن حبسا لا يتمكن الراهن بمقتضاه من استرداد العين المرهونة بغير إذن المرتهن، وهذا ليكون عاجزا عن الانتفاع به فيسارع إلى قضاء الدين لحاجته إلى العين المرهونة أو لضجره من عدم قدرته على الانتفاع بها، واللغة والشرع يؤيدان ذلك:

أما اللغة: فقد قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [2] ، أي: محبوسة بوبال ما اكتسبت من المعاصي.

وأما الشرع: فإن الأحكام الشرعية تنعطف على وفق المعاني اللغوية فيكون المعنى اللغوي للرهن ملاحظا في معناه الشرعي وهو: دوام الحبس.

واستدل أصحاب القول الثاني (الذين قالوا بأن استدامة القبض ليست بشرط) بالكتاب والسنة والقياس والمعقول:

أما الكتاب:

فقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} .

وجه الدلال:

أن الرهن إذا وجد مرة فقد صح ولزم فلا يحل ذلك إعارته وغير ذلك من التصرف فيه.

وأما السنة:

1 -ما روي من أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» [3] .

وجه الدلالة:

أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل ركوب الظهر وشرب اللبن في مقابل النفقة، ولما كانت النفقة واجبة على الراهن بالإجماع كان المنتفع بالركوب هو: الراهن، إذ أنه المنفق، ومن استيفاء هذا الحق كان له استرداد حقه كما سبق، والقول باستمرار قبض المرتهن يعطل استيفاء هذا الحق فلا يكون واجبا.

2 -ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:"لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه" [4] .

(1) القوانين الفقهية: (ص323) وما بعدها، المغني ويليه الشرح الكبير: (4/ 422) ، الإنصاف: (5/ 152) .

(2) سورة المدثر: آية 38.

(3) رواه البخاري في فتح الباري: (5/ 143) .

(4) رواه الإمام الشافعي في الأم: (3/ 147،148) مرسلا ثم وصله عن الثقة عن يحيى بن أبي أنيسه عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال الحافظ ابن حجر في البلوغ: رواه الدارقطني والحاكم ورجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. ومعنى (لا يغلق الرهن) = =أي: لا يخرج عن ملك صاحبه، ولا يستطيع المرتهن الاستيلاء عليه بسبب عجز الراهن عن أداء المرهون به، ومعنى (من صاحبه) أي: من ضمانه ومسئوليته، فإذا هلك كان هلاكه على الراهن لا على المرتهن.

ومعنى قوله (له غنمه وعليه غرمه) : أن للراهن سلامته وزيادته التي تنتج عنه، وعليه عطبه ونقصه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت