فهرس الكتاب
و نفس الظاهرة كانت بمدينة مرو الشاهجان -ببلاد خُراسان-، فوُجد بها مسجدان يفصلهما سور، واحد للشافعية و الآخر للحنفية. وكذلك الحال بمدينتي بغداد و حرّان، فقد وُجدت بهما مساجد طائفية تابعة للطوائف السنة [1] .
و الأغرب من ذلك أنه وُجدت محاريب متعددة داخل المسجد الواحد حسب الطوائف المذهبية، فتصلي كل جماعة في محرابها، و لا تصلي في المحاريب الأخرى؛ ففي الحرم المكي كانت فيه خمسة مقامات-محاريب- للصلاة حسب الطوائف المكونة للمجتمع المكي، و هي: الشافعية، و الحنفية، و المالكية، و الحنبلية، و الشيعة، فكان لكل منها مقامها الذي تصلي فيه، و في صلاة المغرب كانت كل الطوائف تصلي في وقت واحد لضيق الوقت، فيحدث تشويش و خلط في الركوع و السجود و التسليم، و قد كانت هذه الطاهرة موجودة بالحرم المكي في القرن السادس الهجري و ما بعده [2] .
و المسجد الأقصى هو أيضا كان مقسما بين الطوائف السنية الأربعة، فكان لكل منها محرابها الذي تصلي فيه، و تعقد فيه حلقاتها العلمية. و نفس الظاهرة كانت بمسجد مدينة الخليل، فقد كان مقسما على الطوائف السنية، ما عدا الحنابلة الذين لم يكن لهم فيه إمام [3] .
و كذلك الجامع الأموي بدمشق، فقد كانت بداخله أربعة محاريب حسب الطوائف السنية الأربعة، لكل منها محرابها تصلي فيه، و تعقد فيه أيضا حلقاتها العلمية [4] . و هذه المحاريب ما تزال موجودة بالجامع الأموي إلى يومنا هذا، كشواهد تاريخية، لكنها معطلة، إلا واحد منها يصلي فيه كل الناس.
و للوزير عون الدين بن هُبيرة البغدادي رأي في ظاهرة تعدد المساجد السنية، مفاده أن اختصاص المساجد ببعض أرباب المذاهب بدعة محدثة، فلا يقال: هذه مساجد أصحاب احمد، فيمنع منها أصحاب الشافعي، ولا العكس؛ و قد قال الله تعالى في المسجد الحرام (( سواء العاكف فيه و الباد ) ) [5] -سورة الحج/25 - ،وقوله هذا صحيح فيما يخص اختصاص جماعة بمساجد دون غيرها، لكنني لم أعثر على ما يشير إلى أن طائفة من السنيين منعت غيرها من دخول
(1) انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 5 ص: 114. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 176، ج 10 ص:103. و ابن رجب: الذيل، ج 1: 119، 214، 215، ج 2 ص: 202، 203.
(2) ابن جبير: رحلة ابن جبير، الجزائر، موفم للنشر، 1988، ص: 71. و التجيبي: مستفاد الرحلة و الاغتراب، حققه عبد الحفيظ منصور، ليبيا، الدار العربية للكتاب، ص: 296، 297.
(3) أبو اليمن مجير الدين: الأنس الجليل بتاريخ القدس و الخليل، النجف، المطبعة الحيدرية و مكتبتها، 1968، ج 2 ص: 32.
(4) النعيمي: الدارس، ج 2 ص: 217، 394. و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 339.
(5) ابن رجب: المصدر السابق ج 1 ص:279 - 280. والعليمي: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، حققه محي الدين عبد الحميد، ط 1، القاهرة،1963،ج 2 ص: 307.