فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 180

مساجدها. لكنه وجد فيهم-أي من السنيين-من امتنع من الصلاة مع غير إمامه و أصحابه، كما هو الحال في الحرم المكي، و المسجد الأقصى، و الجامع الأموي، إذ كان لكل طائفة محرابها و إمامها، و هذا كله ثمرة مرة للتعصب المذهبي الذميم المسيطر على العقول أولا؛ و نتيجة لعجز وتخاذل أولي الأمر و العلماء، من القيام بواجباتهم الشرعية تجاه أمتهم ثانيا.

و يتبين مما ذكرناه -في مبحثنا هذا- أن ظاهرة تعدد المدارس و المساجد بين الطوائف السنية الأربعة، كانت منتشرة بكثرة بين السنيين، و أظهرت مدى عمق الخلاف المذهبي بينهم من جهة، و عمّقته و كرّسته من جهة ثانية، بسبب غلبة التعصب المذهبي عليهم، و عدم قيام علمائهم و حكامهم بواجبهم الشرعي لجمع شمل أمتهم.

ثامنا: التعصب المذهبي عند أهل العلم:

كان التعصب المذهبي واسع الانتشار بين أهل العلم، حتى أصبح يُمثل ظاهرة بارزة و مؤثرة في الحياة العلمية -خلال العصر الإسلامي-، و عنهم - أي العلماء- انتقل التعصب المذهبي إلى عامة الناس و خاصتهم، و الشواهد التاريخية -على تعصب العلماء- كثيرة جدا، أذكر منها ما يأتي:

أ -نماذج من تعصب العلماء فيما بينهم:

توجد شواهد كثيرة على تعصب أهل العلم على بعضهم بعض، و تبادلهم للاتهامات بالتعصب المذهبي، أذكر منها تسعة نماذج، أولها ما حدث للفقيه المحدث بقي بن مخلد الأندلسي (ت 276 ه) ، فإنه رحل إلى المشرق و حصّل علم أهل الأثر، ثم عاد إلى بلاده بالأندلس و شرع في نشر علمه، فتعصب عليه فقهاء الأندلس-و هم مالكية-، فتدخل أمير البلد محمد بن عبد الرحمن المرواني و منعهم من التعرّض له، و قال له: انشر علمك. و كان بقي ابن مخلد يقول: (( لقد غرستُ للمسلمين غرسا بالأندلس لا يُقلع إلا بخروج الدجال ) ) [1] . لكن نبؤته هذه لم تحقق، لأننا نعلم أن مذهبه لم يسد بلاده الأندلس، التي نفسها خرجت من ملك المسلمين، فكيف يبقى غرسه بها إلى خروج الدجال؟!.

و ثانيها يتعلق بما حدث لصاحب الصحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 ه) فإنه لما حدثت قضية اللفظ بالقرآن، هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟، و تناولها هو -أي البخاري- في كتابه خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية، و انتهى إلى التاكيد على أن التلاوة-أي القراءة- من العبد، و المقروء المتلو هو كلام الله تعالى، معتمدا في ذلك على آيات و

(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 630.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت