و منها أيضا الدولة الأيوبية بمصر و الشام و اليمن (569 - 648 ه) ، تمذهبت في الأصول بالمذهب الأشعري، و في الفروع بالمذهب الشافعي، و تعصبت لهما علانية، و مكّنت لهما في الدولة، و ضيّقت على مخالفيها من الحنابلة و أهل الحديث [1] .
و كذلك الدولة المملوكية بمصر و الشام (648 - 923 ه) ، فقد سارت على نهج الدولة الأيوبية، في التمذهب بالأشعرية، و تعصبت لها تعصبا شديدا، حتى أنه كان من يجرؤ على مخالفتها علانية- زمن المؤرخ المقريزي (ت 855 ه) - يكون مصيره القتل [2] .
و أما دول المغرب الإسلامي، فمنها الدولتان الخارجيتان: المدرارية و الرستمية، تمذهبت الأولى بالمذهب الصُفري، و الثانية بالمذهب الإباضي، و كل منهما تعصب لمذهبه [3] . و منها الدولة الزيرية، فإنها تمذهبت بالمذهب المالكي عندما انفصلت عن الدولة العبيدية الفاطمية نحو سنة 434 ه، و انتصرت له انتصارا كبيرا، و فرضته على رعيتها، و تعصّبت على غيره من المذاهب [4] .
و منها أيضا الدولة المرابطية (453 - 541 ه) ، تمذهبت في الفروع بالمذهب المالكي، و تمذهبت في الأصول بمذهب السلف و أهل الحديث، و انتصرت لهما انتصارا كبيرا، و تعصبت على من يُخالفهما من المتكلمين، و الفلاسفة، و الصوفية [5] .
و منها الدولة الموحدية (441 - 668 ه) ، تمذهبت بالأشعرية في الأصول، و انتصرت لها انتصارا كبيرا، و تعصّبت على المالكية تعصبا زائدة، و حاربت التمذهب عامة، و اشتدت في التعصب على خُصومهم المرابطين، فكفّرتهم و استباحت دماءهم و أعراضهم [6] .
و يتبين مما ذكرناه أن تمذهب تلك الدول و تعصبها لمذاهبها، كان هو الأرضية التي قام عليها التعصب المذهبي في الحياة السياسية أولا، و هي -أي الدول- التي غذته و رعته و شجعته ثانيا.
انتشر التعصب المذهبي بين الخلفاء و الملوك و رجالهم انتشارا واسعا -خلال العصر الإسلامي- فكانوا فيه طرفا فاعلا مؤثرا في رعايته و دعمه، و تكريسه في المجتمع، أذكر منهم ما يأتي:
(1) أنظر: أبو شامة: كتاب الروضتين، ج 4 ص: 382. و ابن كثير: نفس المصدر، ج 13 ص: 18. و المقريزي: الخطط، ج 2 ص: 343، 358.
(2) الخطط المقريزية، ج 2 ص: 343.
(3) أنظر: عبد لعزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، مصر، د ت، 447 و ما بعدها.
(4) الناصري السلاوي: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 1 ص: 194.
(5) الذهبي: العبر، ج 4 ص: 60. و الناصري، نفس المرجع، ج 1 ص: 74، 75.
(6) الذهبي: السير، ج 21 ص: 314. و ابن خلدون: المقدمة، ص: 290. و الناصري: المرجع السابق، ج 1 ص: 125، 200.