فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 180

و التاسع هو الفقيه القاضي أمير كاتب بن عمر الحنفي (ت 758 ه) ، كان شديد التعصب للحنفية مُعجبا بنفسه، متعصبا على مخالفيه عامة و الشافعية خاصة، و قد سعى لدى رجال الدولة بمصر و الشام إلى إتلافهم-أي الشافعية- فما أفلح في مسعاه [1] .

و آخرهم-أي العاشر- الفقيه الحنفي محب الدين محمد بن محمد الدمقراني الهندي (ت 789 ه) ، كان شديد التعصب للمذهب الحنفي، و يتكلم في الإمام الشافعي و يقع فيه، و يرى أن طعنه فيه هو عبادة [2] !!.

و بذلك يتبين مما ذكرناه -في مبحثنا هذا- أن التعصب المذهبي كان متغلغلا بين مختلف طوائف العلماء المسلمين -على اختلاف مذاهبهم و تخصصاتهم - فأوصلهم إلى التنازع و التنابز، و التنافر و التناحر، و أوصل كثيرا منهم إلى الانحرافات الفكرية و السلوكية، الأمر الذي أدى إلى تكريس التعصب المذهبي في المجتمعات الإسلامية، و نقله إلى عامة الناس و خاصتهم.

تاسعا: مِحَن أصابت العلماء بسبب التعصب:

لما أصبح التعصب المذهبي -خلال العصر الإسلامي- من القواعد الأساسية التي قامت عليها الحياة الاجتماعية و العلمية و السياسية، تعرّض كثير من العلماء لمحن و شدائد بسب ذلك التعصب، أذكر منها عشر حالات، أولها حالة الفقيه المتكلم إبراهيم بن عبد الله الزبيري القيرواني (ت 359 ه) ،فإنه عندما صنف كتاب الإمامة في الرد على الرافضة، تعصب عليه الحاكم العبيدي أبو القاسم بن عبيد الله المهدي و ضربه 700 سوط، ثم سجنه أربعة أشهر [3] .

و الثانية حالة الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت قرن:4 ه) ، فإنه لما كان متشيعا مظهرا لذلك، منحرفا مغاليا في معاوية بن أبي سفيان و آل بيته، تعصّب عليه الكرّامية بنيسابور، و منعوه من الخروج إلى المسجد، و حصروه في داره، و كسروا منبره بالمسجد الذي يصلي فيه؛ فدخل عليه الصوفي أبو عبد الرحمن السلمي و قال له: لو خرجتَ و (( أمليتَ في هذا الرجل -أي معاوية- حديثا لاسترحتَ من المحنة ) )، فقال له: (( لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي ) ) [4] .

و الحاكم هذا هو محسوب على أهل السنة، صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين، لكنه كان متشيعا مُتهما بالتعصب للرافضة، حتى أنه صحح أحاديث وضعها الشيعة، قال فيها ابن

(1) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج 1 ص: 495.

(2) ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 8 ص: 531.

(3) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ترجمة إبراهيم الزبيري، ج 2 ص: 196.

(4) الذهبي: السير، ج 17 ص: 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت