ستفترق على اثنتين و سبعين فرقة ن كلها في النار إلا واحدة، و هي الجماعة )) [1] . و قال أيضا: (( لا تباغضوا و لا تحاسدوا و لا تدابروا، و كونوا عباد الله إخوانا، و لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ) ) [2] . و هذه الشرور و المنهيات التي حذّرت منها هذه النصوص الشرعية، كلها حدثت بين الطوائف الإسلامية، بسبب اختلافاتهم و تعصباتهم في أصول الدين و فروعه.
و ثالثا إن الذين اعتمدوا على حديث (( احتلاف أمتي رحمة ) )، و خصصوه بالاختلاف في الفروع، قد جانبوا الصواب، لأن الحديث -و هو باطل- مدح الاختلاف مطلقا و لم يُقيده، و الذين قيّدوه ليس لهم في ذلك دليل من الشرع و لا من العقل، خاصة و أن الحديث لا يصح و تعارضه نصوص شرعية كثيرة ذكرنا بعضها آنفا. و هم من جهة أحرى تناسوا ما جرّه ذلك الاختلاف- الذي مدحوه - على الأمة من كبائر الذنوب، من فرقة و فتن و اقتتال.
و ختاما لمبحثنا هذا يتبين مما ذكرناه أن المسائل الخلافية -الأصولية و الفروعية- التي أوردناها كانت نماذج واضحة للتعصب المذهبي المذموم، و لم تبق في دائرة الخلاف العلمي بين أهل العلم، و إنما انتقل تأثيرها السلبي إلى الأتباع، و أوصلهم إلى الفرقة و التنافر، و المهاترات و الاقتتال.
كثُرت المصنفات المذهبية بين الطوائف السنية الأربعة -خلال العصر الإسلامي-، التي كان هدفها الأساسي الانتصار للذهب و الرد على مخالفيه، و كثيرا ما غلب عليها التعصب المذهبي المتمثل في الحط على المخالفين و عدم التأدب معهم، و المبالغة في مدح المذهب -المُنتصر له- و تعظيم شيوخه.
فمن ذلك ما صنفه بعض الحنفية، و منهم القاضي أبو سعيد بن إسحاق النيسابوري (ت 348 ه) ، له كتاب: الرد على الشافعي فيما خالف فيه القرآن [3] . و الكتاب الثاني له عنوانان هما: المصيب في الرد على الخطيب- أي الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463 ه) . و السهم المصيب في كبد الخطيب، للفقيه الحنفي عيسى بن أبي بكر الأيوبي (ت 642 ه) ، صنفه ردا على الخطيب البغدادي لأنه تعصّب على الحنفية على حسب رأيه [4] . و الكتاب الثالث عنوانه: الرد على أصحاب الشافعي، للفقيه الحنفي علي بن موسى [5] .
و أما مؤلفات الردود المالكية فهي كثيرة [6] ، و منها كتاب: الرد على الشافعي و أهل العراق، للفقيه محمد بن سُحنون (ت 265 ه) [7] .و الكتاب الثاني هو: الرد على الشافعي فيما خالف فيه القرآن و السنة، للفقيه محمد بن عبد الحكم الشافعي ثم المالكي (ت 268 ه) ، و عندما صنّفه أصابته محنة، قال فيها التاج السُبكي: يَطول شرحها، و لم يُفصلها [8] . و يبدو أن سبب محنته هو تحوّله من المذهب الشافعي إلى المذهب المالكي، فهو من تلاميذ الشافعي، فلما انتقل إلى المالكية ردّ عليه، و هذا لا يُعجب الشافعية بلا شك. و عنوان كتابه و موضوعه- فيما خالف فيه الشافعي القرآن و السنة- يُشير إلى أنه اشتد في الرد على الشافعي. و قد ذكر ابن عبد الحكم حادثة وقعت له مع الشافعي هي شاهد على ما نقول، و مضمونها أن ابن عبد الحكم قال للشافعي: لأي شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه و ترك بعضه، أنه يُجزيه؟، قال الشافعي: بسبب الباء الزائدة، قال تعالى: (( وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمُ ) )-سورة المائدة: 6 - ،و لم يقل رؤوسكم. فقال ابن عبد الحكم: فأي شيء ترى في التيمم إذا مسح الإنسان بعض وجهه، و ترك بعضه؟، قال الشافعي: لا يُجزيه. فقال ابن عبد الحكم: لِمَ، و قد قال الله تعالى: (( فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه ) )-سورة المائدة /6 - ، فسكت الشافعي [9] .
و الكتاب الثالث -من مؤلفات المالكية- صنفه الفقيه يوسف بن يحيى المغامي الأندلسي (ت 288 ه) ن خصصه للرد على الشافعي في عشرة أجزاء، و كان شديدا على الشافعي [10] . و آخرها -أي الكتاب الرابع- عنوانه: النصرة لإمام دار الهجرة، صنفه القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي، و يُروى أن هذا الكتاب لما وقع بيد قاضي الشافعية بمصر غرّقه في نهر النيل، و تكررت هذه الحادثة بمصر في القرن التاسع الهجري زمن السلطان المملوكي فرج بن برقوق [11] (80 - 815 ه) .
و أما مؤلفات الشافعية فهي كثيرة أيضا، منها: كتاب مُغيث الخلق لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت 478 ه) ، رجّح فيه مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة، و ذكر فيه كيفية الصلاة عنده-أي عند أبي حنيفة- عابه فيها [12] . و الكتاب الثاني صنّفه الفقيه محمد الطبري البغدادي
(1) نفس المرجع، ج 1، رقم: 2042.
(2) الألباني: صحيح الأدب المفرد، ط 2، دار الصديق،1421 ه رقم: 398/ 307.
(3) حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 2 ص: 1420.
(4) نفس المصدر، ج 2 ص: 1010.
(5) الشيرازي: طبقات الفقهاء، ص: 147.
(6) أنظر مثلا: ابن فرحون: الديباج المذهب، ص: 94، 107، 135، 332، 352.
(7) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج 1 ص: 376. و الذهبي: السير، ج 13 ص: 61.
(8) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 2 ص:
(9) القاضي عياض: المصدر السابق، ج 1 ص: 358.
(10) ابن فرحون: الديباج، ص: 357.
(11) المقري: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج 2 ص:
(12) حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 2 ص: 1754. و الصنعاني: إرشاد النقاد، مقدمة المحقق، ص: 18.