، نوى أو لم ينو، لأنه إن نوى فلا يراها واجبة، فهي كالمعدومة، فلا تصح طهارته )) . و الثاني (( و هو قول القفال: يصح و إن لم ينو، لأن كل واحد مؤاخذ بموجب اعتقاده، و الاختلاف في الفروع رحمة ) ). و الثالث (( هو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني: إن نوى صحّ و إلا فلا ) ). و الرابع ذكره النووي، و مفاده أنه (( يصح الاقتداء بالحنفي و نحوه، إلا إن يتحقق إخلاله بما نشترطه و نوجبه، و هذه الأوجه جارية في صلاة الشافعي خلف حنفي و غيره ) ) [1] .
و نقل الفقيه المعاصر عمر سليمان الأشقر عن الشيخ النووي إنه قال: (( لو مسّ حنفي امرأة، أو ترك الطمأنينة أو غيرها، صحّ اقتداء الشافعي به عند الفقال -أحد علماء الشافعية-، و خالفه الجمهور-أي جمهور الشافعية-، و هو الصحيح ) ) [2] .
و واضح مما ذكرناه أن الذي أوقع هؤلاء في الحكم ببطلان اقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة، هو التعصب المذهبي، لأنهم أصدروا أحكامهم بالمنع انطلاقا من خلفياتهم المذهبية الضيقة المتعصبة، و هو حكم غريب جدا، و مؤسف حقا، و غير صحيح أيضا، لا يتفق مبادئ الإسلام و روحه و مقاصده، فكيف يصح في الدين و العقل أن يٌقال: لا تصح صلاة المسلم الملتزم بالإسلام خلف صلاة أخيه المسلم الملتزم مثله بالإسلام؟، فإذا كان هذا لا يصح، فكذلك لا يصح أن يٌقال: لا تصح صلاة المسلم الشافعي الملتزم بالإسلام خلف صلاة أخيه المسلم الحنفي الملتزم بالإسلام هو أيضا. و لا شك أن القول بعدم جواز اقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة، هو من الأحكام التي أوصلنا إليها التعصب المذهبي، و لابد من التحرر منها و من أسبابها و من أمثالها، لتجنيب الأمة شرورها و ويلاتها.
و المسألة الخامسة - و هي الأخيرة من مسائل الفروع- تتعلق بحديث (( اختلاف أمتي رحمة ) )، هذا الحديث جعله المتمذهبون المتعصبون معتمدهم فيما هم فيه من تقليد و تمذهب و تعصب [3] ، لتكريس الوضع على ما هو عليه، و إيجاد المبررات الشرعية و الواقعية له. و قد قال الفقيه عبد الرؤوف المناوي إن ذلك الحديث هو للمقلدين، و إن اختلاف الأمة في الفروع مغفور لمن أخطأ، ثم ذكر أن الذين قالوا إن حديث (( اختلاف أمتي رحمة ) )يُخالف القرآن، لأن الله نهى عن الاختلاف في قوله (( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا ) )-سورة آل عمران /103 - -، و (( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) )- سورة آل عمران: 105 - ، هو إن قولهم هذا هو دسيسة من بعض من في قلبه مرض. و قد رد جمع من العلماء على ذلك، و قالوا إن الله تعالى ذم كثرة الاختلاف على الرسل، و الله تعالى أهلك السابقين لكثرة اختلافهم على أنبيائهم، و أما هذه الأمة (( فمعاذ الله أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين ) ) [4] .
و ردا عليه أقول: أولا إن حديث (( اختلاف أمتي رحمة ) )الذي استدل به هؤلاء، هو حديث موضوع مكذوب لا أصل له [5] ؛ و عليه فلا يصح الاستدلال به أصلا. و كيف نستدل بحديث هذا حاله في أمر هام يتعلق بوحدة الأمة؟. و متن هذا الحديث طاهر البطلان، لأن الاختلاف مذموم و ليس ممدوحا، سواء تعلّق بالأصول أو بالفروع، و هذا هو الأصل في الاختلاف، و هو أمر ثابت شرعا و عقلا، تاريخا و واقعا، و لا يُمدح الاختلاف إلا في حالات استثنائية عندما يكون اختلاف تنوّع و إثراء في أمور محدودة متعلقة بمجالات التنمية في التعليم و السياسة، و الاقتصاد و الاجتماع، و لا يصح أن يُقال: إن الاختلاف ممدوح مُطلقا في مجال الفروع-أي الفقه- لأن كثرا من الاختلافات الفقهية أوصلت الأمة إلى كبائر الذنوب، كاللعن و التكفير، و الاقتتال و التدابر، و قد سبق أن ذكرنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا. و ذلك الحديث لا يصح شرعا و لا عقلا إلا إذا جعلناه هكذا (( اختلاف أمتي شر و عذاب ) )، و أما أن يكون رحمة فلا.
و ثانيا إن النصوص الشرعية واضحة وضوح الشمس في النهي عن الاختلاف مطلقا، فحذّرتنا منه، و حثتنا على الوحدة و الأخوة، و هي في ذمها للاختلاف لم تُفرّق بين الاختلاف في أصول الدين و فروعه، و إنما نهتنا عن الاختلاف، و حّذرتنا منه مُطلقا، كقوله تعالى (( و اعتصموا بحبل الله و لا تفرّقوا ) )-سورة آل عمران /103 - ، و (( و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، و لا تتبعوا السُبل فتفرّق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) )-سورة الأنعام/153 - ، و (( إن الذين فرّقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم، في شيء، إنما أمرهم إلى الله ثم يُنبئهم بما كانوا يعملون ) )- سورة الأنعام/159 - ، و (( و لاتنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم ) )-سورة الأنفال /46 - . و قال الرسول -عليه الصلاة و السلام- لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض )) [6] . و قال أيضا: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ) [7] و (( إن أمتي
(1) النووي: المجموع، حققه محمود مطرحي، ط 1، بيروت، دار الفكر، 1996،ج 1 ص: 257.
(2) تاريخ الفقه الإسلامي، ص: 169.
(3) النووي: شرح النووي على صحيح مسلم، ط 2، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1392 ه، ج 11 ص: 91. و المناوي: فيض القدير، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، 1356، ج 1 ص: 210.
(4) المناوي: نفس المصدر، ج 1 ص: 210.
(5) أنظر: علي القارئ: الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة، حققه محمد الصباغ، ط 2، بيروت، المكتب الإسلامي، 1406، ج 1 ص:. و الألباني: الأحاديث الضعيفة و الموضوعة، ط 3، عمان المكتبة الإسلامية، ذ 406، ج 1 ص: 57. و ضعيف الجامع الصغير، ص: 230. و صفة صلاة النبي، السعودية مكتبة المعارف، د ت،: ص: 49. و طاهر بن علي الفتي: تذكرة الموضوعات، ص: 59.
(6) مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 81، رقم الحديث: 65.
(7) الألباني: صحيح الجامع الصغير، ج 21، رقم: 6654.