فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 180

و الشاهد الثالث هو قول للمؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 ه) ، يقول فيه: (( نعوذ بالله من العصبية، فإن مصنف هذا الكتاب - هو أحد المحدثين- لا يخفى عليه أن هذا الحديث موضوع ) ) [1] . فمن العصبية عنده أن يعتمد الإنسان على حديث يعلم أنه موضوع، انتصارا لأمر في نفسه، فيترك الصحيح و يأخذ السقيم.

و الشاهد الرابع مفاده أن العلماء المسلمين استعملوا كلمة التعصب للمدح و الذم معا، تُفهم من حسب سياقها في الكلام. فقال بعض علماء الجرح و التعديل: إن القاضي أبا الحسن محمد الرازي الشافعي (ت 338 ه) كان متعصبا للسنة ناصرا لأهلها [2] . و قيل في الثري أبي منصور بن يُوسف البغدادي (ت 460 ه) : (( كان صالحا عظيم الصدقة، متعصبا للسنة ) ) [3] . و قال بعضهم في الحافظ الرحالة عمر بن علي الليثي البخاري (ت 468 ه) : إنه كان مدلسا متعصبا لأهل الباطل [4] ... .

و آخرها -أي الشواهد- حديث [5] ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 ه) ، مفاده إنه قيل للرسول-عليه الصلاة و السلام-: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟، قال: لا، و لكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل [6] .

و بذلك يتبين أن التعصب على نوعين، أولهما الانتصار للحق و هو ممدوح، و ثانيهما الانتصار للباطل و هو مذموم. و النوع الثاني هو موضوع كتابنا هذا، و هو التعصب للباطل لا للحق , و مقياسنا في ذلك هو النقل الصحيح -أي الكتاب و السنة- و العقل الصريح، فما وافقهما فهو تعصب للحق، و ما خالفهما فهو تعصب للباطل.

و أشير هنا إلى أنه لا يُوجد تعصب واحد فقط، و إنما هناك تعصبات كثيرة، منها: التعصب الأسري، و التعصب القبلي، و العصب العرقي، و التعصب الجهوي، و التعصب الحزبي، و التعصب الديني -بين أبناء الأديان المختلفة-، و التعصب المذهبي، و يحدث بين مذاهب الدين الواحد، و هو موضوع بحثنا هذا، و قد تجلت مظاهره في مختلف جوانب الحياة عند المسلمين خلال العصر الإسلامي، على مستوى المذاهب و الطوائف، فما هي بداياته و تطوراته؟.

ثانيا: بدايات ظهور التعصب المذهبي عند المسلمين(ق 1 - 3 ه):

(1) ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان، ط 3، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1986، ج 3 ص: 275.

(2) الذهبي: سيّر أعلام النبلاء حققه بشار عواد، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج 15 ص: 379.

(3) نفس المصدر، ج 18 ص: 333.

(4) نفس المصدر، ج 18 ص: 319، 407.

(5) لم يذكر ابن تيمية درجته، و قد بحثت ُعنه في كتب الحديث فلم أجده بذلك اللفظ، و وجد قسما منه فقط، و قد ضعّفه الشيخ الألباني في تحقيقه لسنن الترمذي، كتاب الفتن، رقم: 3949. لكن الحديث يصلح شاهدا لما نحن فيه.

(6) ابن تيمية: دقائق التفسير، ج 2 ص: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت