فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 180

تعود بدايات التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي إلى الخلافات السياسية و الفكرية -الأصولية و الفقهية- التي حدثت بين المسلمين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، مما أدى إلى ظهور فرق و طوائف و جماعات تمذهبت بأفكار و أصول كانت تحملها، ثم تعصّبت لها و سعت جاهدة إلى نشرها و الانتصار لها على أرض الواقع، فدخلت في نزاع مذهبي شديد فيما بينها، على مستوى المشاعر و الأفكار، و الأقوال و الأفعال، و قد تجلى ذلك فيما يأتي:

أولا فعلى مستوى الفرق، فإنه لما أنقسمت الأمة على نفسها بسبب الفتنة الكبرى بين سنتي: 35 - 41 ه، ظهرت الفرق السياسية المتمثلة في الرافضة، و الشيعة، و الخوارج، و السنة، ثم تنظّمت، و تسيست، و تمذهبت، و تعصبت لأفكارها، و خاضت من أجلها الصعاب و الشدائد و الحروب [1] .

و ثانيا فعلى مستوى العقائد و أصول الدين، فقد حدثت خلافات كثيرة بين مختلف طوائف أهل العلم، منذ نهاية القرن الأول الهجري و ما بعده، فظهرت المعتزلة [2] و نفت صفات الله تعالى و قدمت العقل على الوحي [3] -أي النقل-.

و ظهرت الجهمية -أتباع جهم بن صفوان (ق:2 ه) - فقالت بالجبر و فناء الجنة و النار، و عطّلت صفات الله تعالى [4] . و ظهرت أيضا الطائفة الكرامية المجسمة على يد المتكلم محمد بن الكرام السجستاني (ق: 3 ه) ، فجسّمت الله تعالى، و شبهته بمخلوقاته [5] . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

و في مقابل هؤلاء نجد أهل السنة و الجماعة، كانوا يمثلون جمهور المسلمين، رافعين راية القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة، فمثلوا الإسلام الصحيح، و ردوا على انحرافات تلك الفرق، فأثبتوا صفات الله تعالى بلا تأويل، و لا تعطيل، و لا تشبيه، و لا تجسيم، و تولوا الصحابة، و قدموا النقل على العقل [6] .

تلك الفرق تميزت بأفكار تمذهبت بها و تعصّبت لها، و حاضت من أجلها المصادمات و المناظرات، و صنفت الكتب انتصارا لمذاهبها، فكان ذلك سببا في طهور التعصب المذهبي فيما بينها، و انتشاره بين أتباعها [7] .

(1) انظر مثلا: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق، حققه محي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة العصرية، 1995، ص: 14، 21، 24، 29، 72.

(2) هم أتباع عمرو بن عبيد البصري (ت 142 ه) ، اعتزل هو و أصحابه حلقة شيخه الحسن البصري (ت 110 ه) ، فسموا بالمعتزلة. نفس المصدر، ص: 20.

(3) نفس المصدر، ص: 114 و ما بعدها.

(4) نفس المصدر، ص: 211.

(5) نفس المصدر، ص: 216.

(6) نفس المصدر، ص: 26.

(7) سنذكر الشواهد على ذلك في الفصلين الأول و الثاني، إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت