فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 180

و ثالثا فعلى مستوى الفروع-أي الفقه- فإن الناس زمن الصحابة و التابعين و تابعيهم لم يكونوا متمذهبين، فكان العلماء يجتهدون لاستنباط الأحكام الشرعية، و غير المجتهدين منهم يسألونهم فيما لا يعرفونه، و كان العوام يقلدونهم بلا تمذهب و لا التزام بشخص معين منهم [1] . لذا لم يعرف المسلمون التعصب الفقهي المذموم زمن هؤلاء طيلة نحو ثلاثة قرون، ثم تغير الحال في القرن الرابع الهجري و ما بعده، حيث انتشر التمذهب الفقهي بين الناس، و صاحبه التعصب المذهبي بينهم، بشكل واسع [2] .

لكن بوادره الأولى المحدودة تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري و ما بعده، بدليل الشواهد التاريخية الآتية: أولها إن الفقيه الحنفي مُسعر بن كدام (ت 155 ه) كان فيه غلو في تعظيمه للإمام أبي حنيفة النعمان (ت 150) ، فكان يقول: (( جعلتُ أبا حنيفة حجة بيني و بين الله تبارك و تعالى ) ) [3] .

و ثانيها يخص الفقيه المالكي أبا يحيى زكريا بن يحيى الوقاد (ت 181 ه) فإنه كان يغلو في الإمام مال بن أنس (ت 179 ه) ، و يتعصب له على أبي حنيفة [4] . و ثالثها ما قاله الحافظ شمس الدين الذهبي (ت 748 ه) في الحافظ يحيى بن معين (ت 232 ه) ، فعندما ذكر أن ابن معين قال: إن الإمام الشافعي ليس بثقة، أرجع -أي الذهبي- ذلك إلى فلتات اللسان و الهوى و العصبية، لأن (( ابن معين كان من الحنفية الغلاة في مذهبه، و إن كان محدثا ) ) [5] .

و الشاهد الرابع يتعلق بالفقيه المالكي أصبع بن خليل القرطبي (ت 272 ه) ، كان شديد التعصب للمذهب المالكي حتى أنه اختلق حديثا في ترك رفع اليدين في الركوع و الرفع منه، فكشف الناس أمره [6] .

و الشاهد الأخير-أي الخامس- يتعلق بالحافظ أبي بشر الدولابي (ت 310 ه) ، فإنه كان حنفيا مفرط التعصب لمذهبه، حتى أنه روى حديثا في القهقهة إسناده غير صحيح، فصححه لأن أبا حنيفة من رجاله و إسناده هو: روى أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن المجلسي، عن معبد الجهني، عن رسول الله-صلى الله عليه و سلم-، و الخلل في هذا الإسناد هو أن الدولابي قال أن معبد الجهني هذا هو معبد بن هوذا الذي ذكره البخاري في تاريخه، و هذا غير صحيح، لأن معبد

(1) انظر مثلا: الشوكاني: البدر الطالع، بيروت، دار المعرفة، د ت، ص: 90، 91. و ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف، حققه عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار النفائس، 1983، ص: 68 و ما بعدها.

(2) انظر مثلا: الدهلوي: نفس المصدر، ص: 87 و ما بعدها.

(3) عبد القادرالقرشي: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، كراتشي، مير محمد كتب خانة، د ت، ج 1 ص: 563.

(4) أبو إسحاق الشيرازي: طبقات الفقهاء، حققه خليل الميس، بيروت، دار القلم، د ت، ص: 156.

(5) الذهبي: الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردا، ط 4، حققه محمد الموصلي، بيروت، دار البشائر، 1992، ص: 29، 30

(6) ابن حجر: اللسان، ج 1 ص: 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت