فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 180

بن هوذا أنصاري، و ليس من قبيلة جُهينة، و معبد بن الجهني تابعي و ليس صحابيا، فكيف يروي عن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- و هو لم يره؟ [1] .

و رابعا فإنه وُجد أيضا تعصب مذهبي بين مدرستي أصحاب الحديث و أهل الرأي، فالأولى أكثرت من استخدام الأثر من الأحاديث النبوية و الأقوال السلفية، و من رجالها الأئمة: مالك و الشافعي، و سفيان الثوري و أحمد بن حنبل، و الثانية أكثرت من استعمال الاجتهاد القائم على الرأي و القياس، و من رجالها: الإمام أبو حنيفة و كبار أصحابه كمحمد بن الحسن، و أبي يوسف يعقوب [2] . فأوجد هذا الاختلاف نزاعا مذهبيا بين المدرستين، نتج عنه تعصب مذهبي بين الطائفتين ظهرت بوادره الأولى منذ القرن الثاني الهجري و ما بعده، و الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح.

أولها إنه حدثت نزاعات و مهاترات، و ردود بين المدرستين منذ زمن أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة 159 هجرية [3] . و ثانيها هو أن الفقيه محمد بن شجاع الثلجي الحنفي (ت 266 ه) كان من أصحاب الرأي يبغض أهل الأثر-أي أهل الحديث-و يتعصب عليهم، حتى انتهى به الأمر إلى الكذب عليهم، فكان يضع -أي يختلق- الأحاديث في تشبيه صفات الله تعالى، و ينسبها إلى أهل الحديث ثلبا لهم، و طعنا فيهم، و تعصبا عليهم، منها حديث عرق الخيل، و فيه: إن الله خلق الفرس فعرقت، ثم خلق نفسه منها [4] . و كان هذا الرجل -أي ابن شجاع- يقول في أصحاب أحمد بن حنبل: (( أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يُذبحوا ) ) [5] . و كان أحمد بن حنبل يقول فيه: ابن شجاع الثلجي مبتدع صاحب هوى [6] .

و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أصبع بن خليل القرطبي المالكي فإنه كان يُعادي أهل الحديث و علمهم، و لم تكن له معرفة بعلمهم، حتى إنه رُوي أنه كان يقول: (( لئن يكون في تابوتي رأس خنزير، أحب إليّ من أن يكون مسند ابن أبي شيبة ) ). و في رواية أخرى أنه قال: (( لئن يكون في كتبي رأس خنزير أحب إليّ من أن يكون فيها مصنف أبي بكر بن أبي شيبة [7] . ) ).و ابن شيبة هذا هو محدث توفي سنة 235 ه هجرية.

(1) نفس المصدر، ج 5 ص: 41.

(2) عمر سليمان الأشقر: المدخل إلى دراسة المدارس و المذاهب الفقهية ن ط 2 الأردن، دار النفائس، 1998، 19 و ما بعدها.

(3) عبد الله بن أحمد بن حنبل: السنة، حققه محمد القحطاني، ط 1، الدمام، دار ابن القيم، 1406 ج 1 ص: 180 و ما بعدها.

(4) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، حققه مختار عزاوي، ط 3، بيروت، دار الفكر، 1988. ج 6 ص: 291.

(5) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 6 ص: 182.

(6) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 5 ص: 350.

(7) ابن حجر: اللسان، ج 1 ص: 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت