و السبب الثاني هو أنه لما كان مذهب الرافضة -على اختلاف تياراته - يتناقض تماما مع القرآن الكريم، دفعهم ذلك إلى الكذب على أهل البيت، و اتخاذ أقوالهم المكذوبة عليهم أدلة شرعية مقدسة لرد ما جاء في القرآن الكريم، و تأسيس مذهبهم الباطل. و السبب الثالث هو أنهم لما كانت السنة النبوية الصحيحة، و الحوادث التاريخية المتواترة تناقض مذهبهم، لجؤوا إلى الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و أهل بيته و صحابته، لرد المتواترات من السنة النبوية، و الحوادث التاريخية، تأسيسا لمذهبهم و نصرا لباطلهم و تعصبا له.
و هؤلاء-أي الشيعة- في احترافهم للكذب كانوا مدفوعين بتعصب أعمى لمذهبهم، و بحقد دفين لمن يُخالفهم، و إلا ما وصل بهم الأمر إلى اختلاق الأكاذيب لرد ما في القرآن، و الزعم بتحريفه، و سب الصحابة و تكفيرهم، و هم خير الناس بعد رسول الله -عليه الصلاة و السلام-، بشهادة القرآن و السنة و التاريخ.
و بذلك يتبين -مما ذكرناه في هذا المبحث- أن التعصب المذهبي أدى بكثير من المتعصبين- من مختلف المذاهب- إلى التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف التاريخ، انتصارا لمذاهبهم و تعصبا على خُصومهم، و قد ذكرنا منهم طائفة من مختلف الفرق و الجماعات كشواهد على ما قلناه.
تُعتبر المدارس و المساجد الطائفية من المظاهر المادية للتعصب المذهبي الذي كان سائدا بين الطوائف السنية الأربعة، فهي مؤسسات ظاهرة للعيان، و شاهدة على مدى تأثير التعصب المذهبي في تلك الطوائف، حتى أوصلها إلى اختصاص كل منها بمدارسها و مساجدها، تكريسا للفرقة، و انتصارا للمذهب، و تعصبا على المخالف. و الشواهد على ذلك كثيرة جدا [1] ، أذكر بعضها حسب الطوائف السنية الأربعة.
فبخصوص الحنفية، فقد كانت لهم مدارس كثيرة خاصة بهم، ببغداد و دمشق و مصر [2] و غيرها من أمصار المشرق الإسلامي، منها المدرسة الخاتونية، و المدرسة الإقبالية بدمشق، و كان لهم بها أكثر من 50 مدرسة [3] . و منها أيضا مدرسة مشهد أبي حنيفة، و مدرسة باب الطاق ببغداد [4] . و كانت لهم مدرسة بمدينة سنجار بناها لهم الملك قطب الدين محمد (ت 594 ه) ،- كان شديد التعصب للحنفية- اشترط فيها أن يكون النظر فيها للحنفية من أولاده دون الشافعية منهم، و أن يكون البواب و الفراش على المذهب الحنفي [5] .
و أما المالكية، فهم أيضا كانت لهم مدارس خاصة بهم، بمصر و دمشق، و حلب و بيت المقدس [6] ، منها: المدرسة الصمصامية، و الصلاحية بدمشق [7] .
و أما الشافعية فقد كانت لهم مدار كثيرة، ببغداد و مصر، و دمشق و بيت المقدس [8] ، و غيرها من مدن المشرق الإسلامي، و قد زادت مدارسهم بدمشق عن 60 مدرسة، منها: العادلية الكبرى، و العادلية الصغرى، و العصرونية [9] .و من مدارسهم ببغداد: المدرسة النظامية، و مدرسة قراح ظفر [10] . و قد بنى لهم الملك غياث الدين الغوري مدرسة بمدينة هراة سنة 595 هجرية، و قدمها للمتكلم الفخر الرازي (ت 606 ه) ، فتعصب عليه الكرّامية و ألبوا عليه الناس [11] . و بنى لهم التاجر ابن رواحة (ت 623 ه) مدرسة بدمشق، و اشترط فيها شروطا صعبة، منها: لا يدخلها يهودي، و لا نصراني، و لا حنبلي حشوي [12] . فسوّى - في شرطه هذا - بين اليهودي و النصراني الكافريّن و بين الحنبلي المسلم، و هذا- بلا شك- تعصب أعمى بغيض.
و أما الحنابلة فهم أيضا كانت لهم مدارس خاصة بهم، ببغداد و دمشق و حلب و غيرها من مدن المشرق الإسلامي [13] ، منها المدرسة العمرية، و الجوزية، و الضيائية، و العالمية بدمشق [14] .و من مدارسهم ببغداد: مدرسة المخرّمي، و مدرسة الأبرادي، و مدرسة الوزير ابن هبيرة، و مدرسة السيدة بنفشا [15] .
و للوزير الفقيه عون الدين بن هبيرة الحنبلي البغدادي (ت 560 ه) رأي في تعدد مدارس و مساجد الطوائف السنية، مفاده أنه شخصيا لا يحبّذ تعدد مساجدها، لكنه لا يرى مانعا في تعدد مدارسها، على أن لا يُضّيق في شروطها على المسلمين لينتفعوا بها، و حكى عن نفسه أنه امتنع من دخول مدرسة لم تتوفر فيه شروطها، ولو دخلها ربما وجد فيها ما ينفعه [16] . وهو بموقفه هذا
(1) للتوسع في ذلك انظر: عبد القادر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، حققه جعفر الحسيني، دمشق، المجمع العلمي، 1951.
(2) عن مدارسهم بمصر انظر: المقريزي: الخطط، ج 2 ص: 363، 403.
(3) انظر: عبد القادر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ... .
(4) و لهم مدارس أخرى ببغداد، و عن مدارسهم بها أنظر: عماد عبد السلام رؤوف: مدارس بغدادفي العصر العباسي، ط 1، بغداد، مطبعة العاني، 1965، ص: 32 و ما بعدها.
(5) ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2 ص: 331.
(6) انظر: المقريزي: الخطط، ج 2 ص: 363، 403. و ابن شداد: الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة، حققه سامي الدهان، دمشق، المهعد الفرنسي، 1956 ه، 119، 229، 253. و محمد كرد علي: خِطط الشام، ج 6 ص: 115.
(7) النعيمي: المصدر السابق.
(8) انظر مثلا: ابن شداد: الأعلاق الخطيرة، ص: 119 و ما بعدها. و السوطي: حسن المحاضرة، حققه محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 1، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1965، ج 1. و النعيمي: الدارس، ج 1.
(9) انظر: النعيمي: المصدر السابق، ج 1 ص: ... .
(10) عماد عبد السلام: المرجع السابق، ص: 76 و ما بعدها.
(11) ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 18.
(12) النعيمي: المصدر السابق ج 1 ص: 200، 201.
(13) أنظر مثلا: النعيمي: الدارس، ج 2. و كرد علي: خطط الشام، ج 6 ص: 115. و عماد عبد السلام: مدارس بغداد.
(14) انظر: النعيمي: نفس المصدر، ج 2.
(15) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 258. و ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 286، 359.
(16) ابن رجب: المصدر السابق ج 1 ص:280.و العليمي: المصدر السابق ج 2 ص:307.