فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 180

و آخرهم -أي السادس- هو الأمير المملوكي يلبغا بن عبد الله الخاصكي الناصري (ت 768 ه) ، كان شديد التعصب للحنفية حتى أنه (( كان يُعطي لمن يتمذهب لأبي حنيفة العطاء الجزيل، و رتب لهم الجامكيات -العطاءات- الزائدة، فتحوّل جمع من الشافعية لأجل الدنيا حنفية ) ) [1] .

و من مظاهر تعصب هؤلاء أيضا-أي الخلفاء و الملوك و أعوانهم- بناؤهم المدارس للطوائف التي يتمذهبون بمذاهبها، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا، منها أن الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485 ه) بنى مدارس للشافعية، و بني السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589 ه) مدارس للشافعية و المالكية و الحنفية، و بني السلطان نور الدين محمود (ت 569 ه) مدارس للحنفية و الشافعية و الحنابلة و المالكية، و بنى كل من الوزير عون الدين بن هبيرة (ت قرن: 6 ه) ،و زوجة الخليفة المستضيء السيدة بنفشة (ت 558 ه) مدرسة للحنابلة [2] .

و ختاما لمبحثنا هذا أشير هنا إلى أمرين هامين، الأول هو أن تعصب الخلفاء و الملوك و أعوانهم كان له الأثر السلبي الكبير في تكريس الطائفية و التعصب و الحفاظ عليهما و تشجيعهما، الأمر الذي ساهم في دفع الطوائف المذهبية إلى النزاعات و المصادمات.

و ثانيهما هو أنه ليس كل الخلفاء و الملوك و أعوانهم كانوا متعصبين لمذاهبهم تعصبا أعمى، فإن بعضهم سعى للتخفيف من التعصب و احتوائه؛ و بعضهم لم يكن يُظهر تعصبه السافر لمذهبه على حساب الطوائف الأخرى، فمن ذلك ما فعله عميد الجيوش السني الحسين بن أبي جعفر البغدادي، فإنه منع الشيعة ببغداد من عمل عزاء الحسين يوم عاشوراء في سنة 393 هجرية، ثم بعد أيام منع جهلة أهل السنة بباب البصرة و باب الشعير من النوح على مصعب بن الزبير، فالتزم الفريقان بالمنع [3] .

و الثاني هو الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المقتفي (530 - 555 ه) ، فعندما رفض الحنابلة دفن أحد أعيان الشافعية بمقبرة الإمام أحمد ببغداد، لأنه شافعي و ليس حنبليا، تدخل الخليفة و أوقف الفتنة، و دُفن الرجل بتلك المقبرة [4] .

و الثالث هو السلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي (ت 569 ه) ، كان حنفي الفروع بلا تعصب في تعامله مع الطوائف السنية، لكنه فضل بعضها على بعض في بناء المدارس، و انتصر لها على حساب الشيعة [5] .

و الرابع هو الملك غياث الدين محمد بن سالم الغوري الغزنوي (ت 599 ه) ، كان شافعي المذهب يميل للشافعية، و بنى لهم مدارس و مساجد بخراسان، و لم يكن فيه تعصب أعمى على المذاهب الأخرى. و ذكر المؤرخ ابن الأثير أن هذا الملك كان يقول: (( التعصب في المذاهب من الملك قبيح ) )، ثم قال ابن الأثير: إنه -أي الملك- مع ميله للشافعية لم يُطمعهم في غيرهم، و لا أعطاهم ما ليس لهم [6] .

و آخرهم -أي الخامس- هو السلطان المملوكي الأشرف برسباي (825 - 841 ه) ، فإنه عندما حدثت فتنة بين الأشاعرة و الحنابلة بدمشق سنة 835 هجرية، و وصل أمرها إليه، أصدر مرسوما نص على أن لا يعترض أي طرف على مذهب الآخر، فسكن الأمر [7] .

و يُلاحظ على هؤلاء أن تصرفاتهم كانت للتخفيف و الاحتواء و التهدئة، استدعتها سياسة الملك و لم تكن تهدف إلى وضع حد نهائي للتعصب المذهبي، لأن هذا التعصب لم يكن من السهل القضاء عليه، و لأنهم هم أنفسهم - أي الخلفاء و الملوك-كانوا متمذهبين فيهم تعصب لمذاهبهم.

ثالثا: تمذهب جهاز القضاء و تعصبه:

يُعد القضاء جهازا من أجهزة الدولة، و مظهرا من مظاهرها السياسية، يتولى الخليفة أو الملك تعيين القضاة و عزلهم. و قد أصبح -أي القضاء - متمذهبا فيه كثير من العصب، بحكم تمذهب الدول الإسلامية و رجالها -خلال العصر الإسلامي- و تعصبهم لمذاهبهم، و الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، منها إن القضاء في الدولة العباسية كان- في الغالب الأعم- بأيدي الحنفية، فلما حاول شيخ الشافعية أبو حامد الإسفراييني (ت 406 ه) تحويله -أي القضاء- إلى الشافعية سنة 393 هجرية عن طريق التأثير في الخليفة القادر بالله، حدثت فتنة بين الحنفية و الشافعية [8] .

و واضح من ذلك أن تمذهب الدولة العباسية بمذهب الحنفية يعني أنه على الطوائف الأخرى الاحتكام إلى مذهب الحنفية في معاملاتها بحكم أنه مذهب الدولة الرسمي، و هذا الوضع أوجد

(1) ابن حجر: الدرر الكامنة، ج 6 ر ص: 209.

(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 203، 253.و ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 296، ج 13 ص: 23، 61. و محمد كرد علي: خطط الشام، دمشق، مطبعة الترقي، 1926، ج 6 ص: 115.

(3) ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 332.

(4) سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، ق: 1 ج 8 ص: 182.

(5) الذهبي: السير، ج 20 ص: 532 ز و ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 158.

(6) الكامل في التاريخ، ج 10 ص: 282، 283.

(7) ابن حجر: إنباء الغمر، ج 2 ص: 586.

(8) المقريزي: الخطط، ج 2 ص: 333، 334.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت