فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 180

و الوزير الثاني هو عون الدين بن هُبيرة البغدادي الحنبلي (ت 560ه) ، كان حنبليا على مذهب أصحاب الحديث في أصول الدين، انتصر لهم مدة وزارته، و مكن لهم في الدولة العباسية، و نشر فكرهم، لكنه لم يكن فيه تعص سافر [1] كحال نظام الملك في تعصبه للشافعية و الأشعرية.

و الثالث هو الوزير الخوارزمي مسعود بن علي (ت 596ه) ، كان شافعيا متعصبا، بنى للشافعية المدارس، و أنشأ لهم جامعا بمدينة مرو بناه مقابلا لجامع الحنفية، فتعصب عليه الحنفية و أحرقوه، فحدثت فتنة كبيرة بين الطائفتين [2] .

و آخرهم-أي الرابع- هو وزير عباسي [3] تولى الوزارة زمن الخليفة العباسي المستعصم بالله (640 - 656ه) ، فعندما بنى الخليفة مسجدا جديدا ببغداد و كلّف وزيره الشافعي بجمع القراء لاختيار إمام له، كان من بين هؤلاء القراء: أبو محمد عبد الصمد بن أحمد البغدادي (ت676ه) ، فعرض عليه الوزير أن يترك مذهبه الحنبلي و ينتقل إلى المذهب الشافعي، لكي يُعينه إماما للمسجد الجديد، فأبى عبد الصمد، فقال له الوزير: أليس مذهب الشافعي حسنا؟، قال: بلى، لكن مذهبي ما علمتُ فيه عيبا أتركه لأجله. فسمع به الخليفة فأعجبه رده، فجعله إماما للمسجد [4] .

فالوزير الشافعي لما كلّفه الخليفة بمهمة جمع القراء لاختيار منهم إمام للمسجد، تحرّكت فيه عصبيته المذهبية مستغلا في ذلك منصبه كوزير، و رغبه ذلك الرجل الحنبلي في تولي إمامة المسجد، فعرض عليه تغيير مذهبه الحنبلي و الالتحاق بالشافعية، كشرط ليُعينه إماما، لكنه اخفق في مسعاه.

و أما الأعوان المتعصبون-من الأمراء و الخدم و المسؤولين- فمنهم رئيس الرؤساء ابن المسلمة البغدادي (450ه) ، فقد كان شديد التعصب على الشيعة كثير الأذية لهم، فعندما زالت دولة بني بويه سنة 447 هجرية، قمعهم و أمر بقتل شيخهم الرافضي السباب: ابن الجلاب. لكنهم انتقموا منه عندما دخلت جيوش العبيديين الفاطميين بغداد سنة 250 هجرية، فإنهم تقووا بإخوانهم، و تمكنوا من ابن المسلمة و عذّبوه شر عذاب حتى مات انتقاما منه و تعصبا عليه، و كان آخر كلامه: (( الحمد لله الذي أحياني سعيدا، و أماتني شهيدا ) ) [5] .

و الثاني هو أمير عُبيدي [6] كان واليا على دمشق، كان شيعيا متعصبا لمذهبه، و شديد التعصب على أهل السنة، فلما حلّ الحافظ الخطيب البغدادي (463ه) بدمشق و نشر بها السنة النبوية، سعى الأمير إلى قتله، و كلّف صاحب الشرطة بذلك، فلم يُفلح في مكره، لأن صاحب الشرطة كان سنيا و تحايل في إنقاذه [7] .

و الثالث هو مرجان (ت 560) خادم الخليفة العباسي أبي المُظفّر المستنجد (555 - 566ه) ، فقد كان شافعيا شديد التعصب لمذهبه، و متعصبا على الحنابلة شديد الكره لهم، و يُعادي الوزير الحنبلي عون الدين بن هبيرة و المؤرخ ابن الجوزي معاداة شديدة، و كان يقول لابن الجوزي: (( مقصودي قلع مذهبكم، و قطع ذكركم ) )، فلما مات ابن هبيرة سنة 560 هجرية، نزع مرجان مقام الحنابلة من الحرم المكي تعصبا عليهم، من دون إذن من الخليفة العباسي المستنجد. ثم ضيّق على ابن الجوزي حتى خافه، و سعى به إلى الخليفة ليُوقع به، حتى قال ابن الجوزي إنه التجأ إلى الله تعالى يدعوا عليه ليُذهب عنه شره، فمات -أي مرجان- بعد مدة قصيرة، ففرح-أي ابن الجوزي- بذلك فرحا شديدا [8] .

و الرابع هو رئيس مدينة أصفهان: أبو بكر الخُجنّدي (ت 590ه) ، كان أشعريا متعصبا للحافظ أبي نُعيم الأصفهاني (ت430ه) ، فلما جاء الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي إلى أصفهان و ردّ على أبي نُعيم و اظهر أخطاءه في بعض كتبه، تعصب عليه الخُجنّدي و طلبه ليقتله، فاختفى عبد الغني و خرج من المدينة خُفية [9] .

و الخامس هو أبو بكر بن الخليفة المستعصم بالله (ت 656ه) ، إنه لما حدثت فتنة بين السنة و الشيعة سنة 655 هجرية ببغداد، انتصر لأهل السنة و دعمهم بالعساكر، و يُروى أنه تعصب على الشيعة تعصبا زائدا، فسلّط عليهم العساكر الذين هتكوا النساء و ركبوا منهن الفواحش [10] .

(1) العليمي: المنهج الأحمد، ج 2 ص: 289.

(2) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 7 ص: 296، 297.

(3) لم أتعرف عليه.

(4) ابن رجب: الذيل، ج 2 ص: 292.

(5) ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 69، 82، 83.

(6) لم أتعرف عليه.

(7) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1141.

(8) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 213. و ابن كثير: البداية، ج 250.

(9) الذهبي: السير، ج 21 ص: 458، 459. و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 39.

(10) القلقشندي: مآثر الآنافة، ج 2 ص: 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت