له الأمير: ما ذا ترى؟، فاقترح عليه إخراجه من البلد، فأخرجه من منه، و توجه إلى مدينة صور [1] .
و آخرها -أي المحاولة الثالثة- ما حدث للقاضي الشافعي البهاء بن سيد الكل القِفطي المصري (ت 697 ه) ، فإنه كان يسكن بمنطقة مشحونة بالروافض، فلما نصر السنة، و تاب على يده بعض الرافضة، و ألف كتابه النصائح في فضائح الرافضة، هموا به ليقتلوه، فلم يبلغوا مرادهم و حماه الله تعالى من مكرهم [2] .
و ما حدث لهؤلاء الثلاثة هو تعصب مذهبي واضح، يندرج ضمن التعصب المذهبي بين الطائفتين السنية و الشيعية، بسب التناقض المذهبي القائم بينهما،-على مستوى الأصول و الفروع-،و هو الذي أوصلهما إلى اللعن و التكفير، و الاقتتال الذي نتوسع فيه في المبحث الآتي:
تُعد الفتن المذهبية بين السنة و الشيعة من أكثر مظاهر التعصب المذهبي بروزا و خطورة و مأساوية، حدث خلالها خراب كبير، و قتل كثير، كان ذلك خلال العصر الإسلامي عامة، و القرن الرابع و الخامس و السادس للهجرة خاصة. و قد أحصيتُ منها اثنتين و خمسين (52) فتنة [3] ، من بينها 42 فتنة حدثت في بغداد، و الباقي (10) بمدن أخرى بالمشرق الإسلامي. و كثير منها اكتفت المصادر بالإشارة إليها من دون تفصيل لها، و أخرى ذكرتها بشيء من التفصيل. فالتي أوجزتها كثيرا قالت فيها: و حدثت فيها شرور و خُطوب، و قُتل فيها خلق كثير من الطائفتين المتنازعتين، كما حدث ببغداد في السنوات الهجرية الآتية: 338، 340، 346، 348، 349، 351، 391، 408، 425، 432، 437، 439، 440، 445، 447، 487، 479، 480، 481، 486، 487، 581 [4] .
و أما الفتن المذهبية التي ذكرتها المصادر بشيء من التفصيل، فسنذكر منها طائفة فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
فمن الفتن التي حدثت في القرن الرابع الهجري بين السنة و الشيعة، -بسبب التعصب المذهبي- ما حدث سنة 327 هجرية، عندما قصد قوم من الشيعة زيارة قبر الحسين بكربلاء، فتبعهم جماعة من حنابلة بغداد ليمنعوهم من زيارته، فحدثت بينهم فتنة، و تدخلت الشرطة و قتلت اثنين من الحنابلة، و جرحت بعضهم، و أحرقت منازل آخرين، و قبضت على بعضهم، و حاصرت بيت رئيسهم أبي محمد البربهاري شيخ الحنابلة، الذي تمكّن من الفرار [5] .
و الفتنة الثانية ما حدث سنة 363 هجرية ببغداد، و ذلك أن الشيعة عملوا عزاء الحسين يوم عاشوراء، فقاتلهم السنيون، و أركبوا امرأة سموها عائشة، و تسمى اثنان منهم بطلحة و الآخر بالزبير، و قالوا نقاتل أصحاب علي، فقُتل من الطرفين خلق كثير، و حدث دمار كبير، و لم تهدأ الفتنة إلا بتدخل الشرطة التي قتلت طائفة من الجانبين و صلبتهم ليرتدع أمثالهم. و فيهم قال الحافظ ابن كثير: (( و كلا الفريقين قليل عقل، أو عديمه، بعيد عن السداد ) ) [6] .
و الفتنة الثالثة ما حدث سنة 381 هجرية ببغداد، عندما أحيى الشيعة يوم غدير خم في 18 ذي الحجة من هذه السنة، فاندلع بينهم و بين أهل السنة قتال ضار، ألحق فيه السنيون بالشيعة خسائر كبيرة، و أحرقوا أعلام حاكم بغداد الأمير الشيعي بهاء الدولة البويهي (379 - 4 - 3 ه) ، فتدخل و قبض على جماعة منهم بتهمة إشعال النار في رايات السلطان، و صلبهم ليرتدع أمثالهم [7] .
و أشير هنا إلى انه يجب علينا أن نقف برهة عند يوم غدير خُم الذي حدثت بسببه فتن كثيرة بين السنة و الشيعة، فهذا اليوم مرتبط بحادثة غدير خُم، نسبة لمكان يُدعى خُماء، و خُم، بين مكة و المدينة، و فيها وقف رسول الله -عليه الصلاة و السلام - خطيبا، فوعظ و ذكّر، و حثّ على التمسك بالقرآن الكريم، و من جملة ما قاله: (( أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ) ). و قد جعل الشيعة هذا الحديث -أي حديث غدير خُم - عمدتهم في الإمامة، و في جدالهم لأهل السنة، و يزعمون أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- قال أيضا: (( من كنتُ ملاه فعلي مولاه ) )، و اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه (( ، و (( انصر من نصره ) ) [8] .
(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1141.
(2) حاجي خليفة: كشف الظنون، ج 2 ص: 1955. و ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 7 ص: 768.
(3) سيأتي توثيقها عند التعرّض لها لاحقا، إن شاء الله تعالى.
(4) أمثلا: ابن الجوزي: المنتظم، ج 6 ص: 369، ج 7 ص: 19، ج 8 ص: 127، ج 9 ص: 26، 38. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 221، 232، 234، 236، 241، ج 12 ص: 5، 6، 36، 56، 58، 64، 66، 134، 145، 147. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 4 ص: 2 - 2. و ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 18، ج 10 ص: 138.
(5) التنوخي: نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة، دار صادر، بيروت، 1971، ج 2 ص: 232 - 233. و مؤلف مجهول: كتاب العيون و الحدائق في معرفة الحقائق، حققه قمر السعيدي، المعهد الفرنسي، دمشق، 1972، مج 4 ج 1 ص: 356.
(6) ابداية، ج 11 ص: 275.
(7) نفس المصدر، ج 11 ص: 309.
(8) ابن تيمية / مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 417.