فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 180

مذهبية موروثة منذ كانت الدولة العبيدية بالمغرب الإسلامي و ارتكابها للمجازر الرهيبة في حق أهل السنة. و مع ذلك فإن ما قام به عوام أهل السنة من قتل واسع للشيعة الإسماعيلية بتونس، هو عمل فيه مبالغة في القتل و الانتقام، لأننا إذا اعتبرنا العبيديين مرتدين كان من اللازم محاكمتهم و استتابتهم، و إقامة الحجة عليهم أولا. و إذا اعتبرناهم بمنزلة أهل الذمة، فلا يجوز قتلهم إلا بحق. لكن الأمر الذي حدث هو أن عوام أهل السنة قتلوا الشيعة بلا محاكة و لا تمييز، و هذا عمل فيه ظلم كبير، لأن عوام العبيديين كثير منهم أو معظمهم مغرر بهم، فلو وجدوا من يُبين لهم ضلالهم، و يأخذ بيدهم، و يقف معهم، و يُبين لهم حقائق المذهب السني، فلربما تخلوا عن مذهبهم و تبنّوا المذهب السني.

و رابعا إن قتلهم للصوفيين الحلاج و الدكاكي هو عمل صائب، و انتصار للحق و تعصب له، و ليس تعصبا للباطل، لأن ما أظهره هذان الرجلان هو هدم للدين من أساسه، و اعتداء صارخ على المسلمين، و هدم أيضا لمبادئ العقل، لأن من يدعي أنه إله، أو أن الله حلّ فيه، أو أن الكون هو الله و أن الله هو الكون، يكون قد أوجب على المسلمين قطع رأسه، بعد مناظرته و استتابته، و إقامة الحجة عليه، و علاجه إن كان مريضا.

و أما محاولات القتل ذات الصبغة المذهبية التي حدثت بين الطوائف الإسلامية، فمنها أن المحدث محمد بن علي الصوري البغدادي (ت 442 ه) لما حل بالكوفة لسماع الحديث من بعض شيوخها، و كان يُظهر السنة، و يترحّم على الشيخين أبي بكر و عمر، ثار عليه شيعة الكوفة، و هموا بقتله، التجأ إلى احد الشيعة العلوية، فأجاره و حماه [1] .

و الثانية هي محاولة قتل الحفظ الخطيب البغدادي (ت 463 ه) ، و ذلك انه لما ارتحل إلى دمشق و استقر بها، و نشر فيها علمه، و تكلّم فيه بعض الناس، استغل أميرها [2] الرافضي المتعصب ذلك الظرف و أمر صاحب الشرطة- و كان سنيا- بأخذ الخطيب ليلا و قتله، فاتصل به صاحب الشرطة و أخبره بما أمره به الأمير، و قال له أنه لا يجد حيلة إلا أن يهرب منهم -أي من الشرطة- إلى دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي، و عندما يطلبونه و لا يجدونه يُرجعون إلى الأمير و يُخبرونه بذلك، فلما نجحت الحيلة أرسل الأمير إلى العلوي يطلب منه تسليم الخطيب البغدادي، فقال له العلوي: (( أيها الأمير أنت تعرف اعتقادي فيه و في أمثاله، و ليس في قتله مصلحة، و هو مشهور في العراق، و إن قتله يُؤدي إلى قتل جماعة من الشيعة، و تخريب المشاهد ) )، فقال

(1) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 143.

(2) لم أترّف عليه، و كان ذلك زمن الدولة العبيدية، عندما كانت دمشق تابعة لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت