فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 180

أنهم فعلوا ذلك لما وجدوه فيها من مقالات كلامية و أشعرية و فلسفية و صوفية، تخالف ما هم عليه من مذهب السلف و أهل الحديث في أصول الدين [1] .

و الحادثة الرابعة تتعلق بما حدث لكتب فقيه الشيعة أبي جعفر محمد الطوسي (ت 460 ه) ، و ذلك أنه كان غاليا في التشيع يطعن في السلف، فأحرق أهل السنة كتبه عدة مرات في رحاب جامع القصر ببغداد بحضور جمع من الناس، فأضطره ذلك إلى الاختفاء خوفا على نفسه، ثم ترك بغداد و التحق بالكوفة [2] موطن الرافضة. و قد كان تعصبهم عليه انتصارا للحق و ردا للباطل، بسبب غلوه و انحرافه.

و الحادثة الخامسة هي أيضا تتعلق بكتب الشيعة، و ذلك أنههم لما سبوا الصحابة ببغداد سنة 574 هجرية وجد عندهم أهل السنة كتبا في سب الصحابة-رضي الله عنهم- فقمعوهم و أحرقوا كتبهم [3] . فكان تصرّفهم هذا تعصبا للحق و انتصارا له من الشيعة المتعصبين للباطل.

و الحادثة السادسة تتعلق بما حدث لكتب الفقه عامة، و كتب الفقه المالكي خاصة، في زمن دولة الموحدين (541 - 668 ه) بالمغرب الإسلامي، و ذلك أن الموحدين كانوا متعصبين على المذاهب الفقهية الأربعة، و خاصة المذهب المالكي، فدعوا الناس إلى تركها و أخذ الأحكام الشرعية مباشرة من الكتاب و السنة على طريقة الاجتهاد المطلق؛ فكتب بعض ملوكهم إلى طلبة العلم بالمغرب و الأندلس بحرق كُتب الفروع (سنة 550 ه) . ثم تكرر ذلك زمن السلطان الموحدي يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (ت 595 ه) ، فأعرض عن المالكية، و هدد كل من يشتغل بكتب الفروع-أي الفقه- و أمر بإحراقها، فأُحرقت مؤلفات كثيرة من كتب المالكية، منها: مدونة سُحنون بن سعيد، و الواضحة لابن حبيب، و نوادر ابن أبي زيد و مختصره [4] .

و الحادثة السابعة تتعلق بما حدث لكتب أهل السنة على يد المغول و أعوانهم لما استولوا على العراق و الشام سنة 656 هجرية، و ذلك أنهم لما دمروا البلاد و قتلوا العباد قام وزيرهم نصير الدين الطوسي (ت 672 ه) بالاستيلاء على كتب أهل السنة، فأخذ منها المؤلفات التي تهمه -منها كتب الفلسفة و علم الكلام- و أحرق كتب العلوم الشرعية [5] .

و أشير في هذا المقام إلى أنه من المفيد أن نعقد مقارنة سريعة بين ثلاثة تصرفات مرتبطة بالكتب، أولها يتعلق بما فعله النصير الطوسي بكتب أهل السنة و قد ذكرناه. و ثانيها ما فعله العبيديون االإسماعليون بكتب الخوارج الإباضية، و ذلك أنهم عندما دخلوا مدينة تيهرت و أسقطوا الدولة الرستمية الإباضية سنة 296 ه، أخذوا من مكتبتهم -المعروفة بالمعصومة- ما يحتاجونه من مؤلفات في الرياضيات و الفلك، و الطب و الهندسة، ثم خرّبوا المكتب و اتلفوا ما بقي فيها [6] .

و التصرّف الثالث يتمثل في تصرّف السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589 ه) ، فإنه لما فتح مصر -حررها من العبيديين- و استولى على كنوز قصر العبيديين كان من بينها خزانة كتبهم الحافلة بالمصنفات، فلما وقعت بيده باعها في المزاد العلني [7] .

و أقول: إن التصرفين الأول و الثاني متشابهان، فيهما تعصب واضح، لكنهما يتفقان مع مصلحة كل طرف، و ذلك أن كلا منهما أخذ من الكتب ما ينفعه، و ترك ما يضره حسب اعتقاده و مذهبه و مصلحته. لكن صلاح الدين كان تصرّفه غريبا و بعيدا عن الحكمة و المصلحة، لأنه أدى إلى تبديد تلك المصنفات، و الإضرار بالقراء خاصة و المجتمع عامة، لما كان فيها كثير من مؤلفات الشيعة و أهل الأهواء المليئة بالانحرفات و الضلالات. فقد كانت أمامه خيارات أخرى في التعامل مع تلك المكتبة، منها إنه كان في إمكانه الاحتفاظ بها كلها لأهل العلم المختصين. و منها كان في مقدوره حرق ما يضر منها من المصنفات، و الاحتفاظ بما ينفع منها و ينسجم مع مذهب أهل السنة و الجماعة. لكنه تصرّف تصرفا آخر كان بعيدا عن الحكمة و المصلحة العامة.

و الحادثة الثامنة- و هي الأخيرة من حوادث حرق الكتب- ما حدث لكتب الصوفي الاتحادي محي الدين بن عربي (ت قرن: 8 ه) على يد برمش بن يوسف التركماني الحنفي المصري (ت 823 ه) ، فإنه كان شديد التعصب على الصوفية الاتحادية المتفلسفة، خاصة كبيرهم ابن عربي، فكان يحرق ما يقدر عليه من كتبه، و في إحدى المرات ربط كتاب فصوص الِحكم لابن عربي بذيل كلب و جرّه، و لم يُبال بمعارضة الصوفية الاتحادية له [8] .

سادسا: التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار:

أوصل التعصب المذهبي كثيرا من المتعصبين إلى التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار، انتصارا لمذاهبهم و تعصبا على مخالفيهم، و قد كانت هذه الظاهرة واسعة الانتشار في تاريخنا

(1) أنظر: ابن العماد الحنبلي: نفس المصدر، ج 6 ص: 60 و ما بعدها. و الناصري السلاوي: الاستقصا، ج 1 ص: 74، 75.

(2) الذهبي: السير، ج 18 ص: 335. و ابن حجر: لسان الميزان، ج 5 ص: 135.

(3) الذهبي: العبر، ج 4 ص: 218 - 219.

(4) الذهبي: السير، ج 21 ص: 314. و الناصري السلاوي: الاستقصا، ج 1 ص: 125، 197، 200.

(5) الكتبي: فوات الوفيات، ج 2 ص: 3، 302. و الصفدي: الوافي في الوفيات، ج 2 ص: 307. و ابن تيمية: التفسير الكبير، ج 2 ص: 6، ج 3 ص: 132.

(6) عبد العزيز سالم: تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، ص: 490.

(7) أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، ج 2 ص: 210.

(8) ابن حجر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ج 2 ص: 487 ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت