فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 180

و السبب الثامن هو تميز كل طائفة عن الطوائف الأخرى، بمدارسها، و شيوخها، و طلابها، و تراثها، و مساجدها، و أحيائها السكنية، فهذا الوضع الغريب كرّس الطائفية و العصبية المذهبية و عمقهما، و جعلهما أمرا واقعا معترف به سلطة و مجتمعا.

و السبب الأخير-أي التاسع- هو الدور السلبي لجهاز القضاء -خلال العصر الإسلامي- في تعامله مع المذاهب الفقهية و التعصب لها، فعندما كان القضاء أحادي المذهب، كان يحكم بالمذهب الذي تتبناه الدولة، و على المذاهب الأخرى الخضوع لمذهب الدولة و الأخذ به أحبت أم كرهت. فولّد فيها ذلك الوضع التعصب لمذهبها حماية له من الانقراض، و التعصب على مذهب الدولة المفروض عليها. كما أن مذهب الدولة الرسمي مكّن لأتباعه من استخدام نفوذهم في الدولة لنشره و تقويته، و التعصب على مخالفيه؛ فأوجدت هذه الوضعية تعصبا من كل الطوائف. و عندما أصبح القضاء متعددا، فإن الوضع لم يتغير من حيث التعصب المذهبي، فإنه كرّس الفرقة و العصبية، و فتح المجال للقضاة المتعصبين من المذاهب الأربعة لاستغلال نفوذهم في خدمة مذاهبهم و التعصب على مُخالفيهم.

و بذلك يتبين مما ذكرناه أن تلك الأسباب -الأساسية و الثانوية- ممتزجة و متفاعلة، هي التي كانت وراء ظاهرة التعصب المذهبي التي تناولنا مظاهرها و آثارها فيما تقدم من كتابنا هذا، فهل من سبيل إلى التخلص منها في وقتنا الحاضر؟.

ثالثا: علاج ظاهرة التعصب المذهبي:

لم تجد ظاهرة التعصب المذهبي-خلال العصر الإسلامي- الحل العملي الصحيح لعلاجها، رغم ما جرّته على الأمة من ويلات و مآس و أخطار، ما نزال نعاني منها إلى يومنا هذا، فهل لعلاجها من سبيل؟.

سنقترح لعلاجها جملة من الحلول في أربع مجموعات، نذكرها تباعا إن شاء الله تعالى، الأولى تتضمن مجموعة الحلول العامة، و تضم ستة حلول، أولها إخلاص النية الصادقة لله تعالى في طلب الحق و ترك الباطل، و الابتعاد الكلي عن التعصب الأعمى للمذاهب و الأشخاص.

و ثانيها الخضوع التام لأحكام الشرع الحكيم، و التسليم المطلق له في كل ما يقرره، انطلاقا من الفهم الصحيح له، بلا تأويل و لا تحريف، و لا إعغال و لا مبالغة، و بلا خلفيات مذهبية مُسبقة متعصبة للباطل، مع رد متشابهه إلى محكمه، و تفسير القرآن بالقرآن أولا، و بالسنة النبوية الصحيحة ثانيا، و بما كان عليه الصحابة و السلف الصالح رابعا، و بالحقائق العقلية و الاجتماعية و الطبيعية الصحيحة الثابتة خامسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت