فهرس الكتاب
مجلس الطوسي، فقال ابن نجية: هذا جاء من هناك، و أشار إلى جهة حلقة خصمه الشهاب الطوسي [1] .
و في سنة 580 هجرية وقعت بين الحنابلة و الأشاعرة خصومة، عندما أنكر الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلّمه في مسألة من مسائل العقيدة -لم تُحدد- في مجلس وعظه، فحدث خصام بينهما و أطلق كل منهما لسانه في الآخر، ثم ترافعوا إلى السلطان الأيوبي-لم أُميزه- بمصر، فأمر برفع كراسي الوعظ عند الطرفين [2] .
و السبب الرابع هو تمذهب عوام الناس، فإنهم لما تمذهبوا تعصبوا لمذاهبهم عن جهل و طيش، و عصبية عمياء، بتحريض من علمائهم و أعيانهم و حكامهم المتعصبين مثلهم، فكان هؤلاء العوام وقودا للفتن المذهبية الدامية التي حدثت بين الطوائف المذهبية، خلال العصر الإسلامي، و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة في الفصل الأول.
و السبب الخامس -من الأسباب الثانوية- هو رواج أحاديث ضعيفة و موضوعة بين المتمذهبين المتعصبين، فيها إقرار لهم على ما هم فيه من اختلاف و تدابر و تنافر، كحديث: (( اختلاف أمتي رحمة ) )، فهذا الحديث غير صحيح، استغله هؤلاء المتعصبون استغلالا فاحشا لدعم ما هم فيه، و اتخذوه سندا لهم لتكريس الانقسامات المذهبية و التعصبات الطائفية.
و السبب السادس هو بقاء كثير من المسائل -الأصولية و الفقهية- المُختلف فيها بين المذاهب، على ما هي عليه، من دون تحقيق علمي نزيه يرفع عنها الخلاف، لأن المتعصبين سعوا جاهدين إلى الاحتفاظ بمذاهبهم و الاحتجاج لها، و الدفاع عنها، حتى و إن كانت أدلتهم ضعيفة، فأدى ذلك إلى تكريس العصبية المذهبية و التشجيع عليها، و الدفاع عنها، و إبقاء مسائل الخلاف قائمة.
و السبب السابع هو مخالفة الأتباع المتمذهبين المتعصبين لأقوال الأئمة الأربعة، و هم: أبو حنيفة، و مالك، و الشافعي، و أحمد -رضي الله عنهم-، في النهي عن تقليدهم و التعصب لأرائهم من غير دليل [3] . فهؤلاء المتمذهبون المتعصبون متناقضون مع أنفسهم في موقفهم من أئمتهم، فقلدوهم و تعصّبوا لهم بحق و بغير حق، رغم أن أئمتهم قد نهوهم عن تقليدهم و التعصب لهم، و هم سيتبرؤون منهم يوم يقوم الناس لرب العالمين.
(1) الذهبي: السيّر، ج 21 ص: 395.
(2) نفسه، ج 21 ص: 395.و الصفدي: المصدر السابق، ج 5 ص: 5 ص: 9.و المقريزي: كتاب السلوك، لمعرفة دول الملوك، ط 1، بيروت، دار صادر، 1999، ج 1 ق: 1 ص: 88.
(3) أنظر مثلا: ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، ص: 104.