فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 180

و هذا الواعظ لم أتعرّف على مذهبه في أصول الدين، لكن يبدو من قوله السابق إنه كرّامي المذهب، أو على مذهب أهل الحديث، و الراجح أنه على عقيدة أهل الحديث لأنه حذّر من الأشعرية، و الاعتزال، و من التشبيه، و الكرّامية معروف عنهم أنهم مجسمة و مشبهة، لذا فالأرجح أنه لم يكن كرّاميا إن كان صادقا في قوله، و الله أعلم.

و الشاهد السابع يتعلق بالواعظ المتكلم أبي الفتوح حمد بن الفضل الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ، دخل بغداد سنة 515 هجرية، و تفرّغ للوعظ و اتخذه وسيلة لإظهار مذهب الأشعري و الدعوة إليه، و مهاجمة خُصومه، و قد مارس ذلك علانية و بالغ في التعصب للأشعرية و الحط على الحنابلة، فكثُرت بينه و بينهم اللعنات و الفتن، و في سنة 521 هجرية رجمه العوام أكثر من مرة في الأسواق، و رموا عليه الميتات، و لعنوه و سبوه، لمبالغته في إظهار الأشعرية و الدعوة إليها، فلما سمع بذلك الخليفة العباسي المسترشد بالله، منعه من الوعظ، و أمر بإخراجه من بغداد، و في هذا الظرف ظهر الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي الحنبلي (ت 561ه) و جلس للوعظ، فالتف حوله الناس و انتصر به أهل السنة على حد قول ابن رجب البغدادي [1] ، و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث.

لكن لما تُوفي الخليفة رجع أبو الفتوح إلى بغداد و استوطنها، و عاد إلى عادته القديمة، فأظهر الأشعرية و ذم الحنبلية، و عادت الفتن و اللعنات كما كانت عليه من قبل، فأُخرج ثانية من بغداد، و أُلزم بالمكوث ببلده [2] إسفرايين بخُراسان.

و الشاهد الأخير- أي الثامن- يتعلق بالواعظ الشهاب محمد بن محمود الطوسي الأشعري (ت 596ه) ، أقام بمصر و أظهر الأشعرية و نصرها، و كان صاحب حرقة على الحنابلة، فتصدّوا له مرارا، و كانت بينه و بين الواعظ الحنبلي ابن نجية خُصومة شديدة، و كل منهما يتكلم في الآخر، و لكل منهما أيضا مجلس وعظ بجامع القرافة بمصر؛ و من طريف ما حدث بينهما حادثتان، الأولى إنه في ذات يوم كان الواعظان بجامع القرافة كل في حلقته، فوقع سقف على ابن نجية و أصحابه، فعلّق الطوسي على ذلك بذكر قوله تعالى: (( فخر عليهم السقف من فوقهم ) )-سورة النحل /26 - .و الثانية مفادها إنه ذات يوم كان كل منهما في حلقته، فجاء كلب يشق

(1) ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، حققه سامي الدهان و لاوست، دمشٌ المعهد الفرنسي، 1951 ج1 ص: 211.و ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 108، 110.و الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 140.و العبر، ج 4 ص:105.و السبكي: طبقات، ج6 ص: 172.

(2) ابن الجوزي: نفسه، ج10 ص: 110.و الذهبي: نفسه، ج 20 ص: 140.و نفسه، ج 4 ص:105.و السبكي: نفسه، ج 6 ص: 172

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت