القضاء، و يُسند المدارس للشافعية لكي يتفرغون لطلب العلم و الاشتغال به فيكثر فقهاؤهم؛ و ينشغل الحنفية بالقضاء فيقل اشتغالهم بالفقه فيتعطلون [1] .
كما أنه-أي نظام الملك- دعّم الشافعية الأشاعرة دعما كبيرا، فرفع عنهم المحنة التي فرضها ... عليهم الوزير السلجوقي عميد الملك الكندري المعتزلي في سنة 445هجرية. و منع من سبهم و لعنهم، و أدّب من فعل ذلك. و دعمهم ماديا و معنويا حين بنى لهم المدارس، و أجرى عليهم الأرزاق، و شجّعهم على نشر الأشعرية، و أطلق يدهم في دولته، حتى عظُم أمرهم في البلاد، و انتقموا من الحنابلة و أهل الحديث، و تطاولوا عليهم تتطاول السلاطين، و استعدوا عليهم بالسجن و الأذي و السعايات، و نبزوهم بالتجسيم [2] .
و هو -أي نظام الملك- الذي أرسل ابن القشيري إلى بغداد سنة 469 هجرية، فأحدث فتنة كبيرة قُتل فيها خلق كثير من الناس، فلما أحدث ذلك استدعاه إليه، فلما التحق به أكرمه و عظّمه، و جهّزه و أرسله إلي بلده نيسابور [3] . و سلوكه هذا مع ابن القشيري غريب جدا، لأن هذا الرجل ظالم و فتان، و معتد و مجرم، ذهب إلى بلد غير بلده، و سب معظم أهله، و اتهمهم بالتشبيه، و تسبب في حدوث فتنة قُتل فيها نحو عشرين شخصا، فالواجب على الوزير أن يُعاتبه و يُحذّره، و يُوبخه و يُعاقبه، لا أن يُكرمه و يُعظمه و يُكافئه، فهو -أي الوزير- بسلوكه هذا قد شارك في فتنة ابن القشيري، و شجّع أشاعرة آخرين على القيام بنفس ما قام به ابن القشيري، انتصارا للمذهب و تعصبا على خُصومه.
و أرسل أيضا الواعظ أبا بكر البكري المغربي الأشعري إلى بغداد سنة 475 هجرية، و معه كتاب للتدريس في المدرسة النظامية - بناها الوزير- و التكلم بمذهب الأشعرية، فلما حلّ ببغداد أحدث فتنة بين الأشاعرة و الحنابلة [4] . فهو- أي نظام الملك- قد أرسله ليُظهر مذهبه الأشعري، و هو يعلم أن الحنابلة و أهل الحديث لا يسمحون له بذلك، و قد سبق أن تصادموا من قبل مع ابن القشيري، فسلوكه هذا دليل على تعمده لإحداث تلك الفتنة-و غيرها- انتصارا لمذهبه و تعصبا على معارضيه.
(1) ابن جرادة: بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 5 ص: 2494، 2495.
(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 93. و الذهبي: السيّر، ج 19 ص: 94. السبكي: الطبقات، ج3ص: 393. و ابن مفلح: الفروع، ج 2 ص: 14.
(3) الذهبي: السير، ج 19 ص: 425. و ابن خلّكان: وفيات الأعيان، ج 3 ص: 208.
(4) ابن الجوزي: المنتظم، ج 3 ص: 3، 4، 220. و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد، ج 2 ص: 185.