هذه -خرج للصيد- فإنه سيُخرج الحنابلة و من قال بمقالتهم، من مصر و الشام، لكن الموت لم يُمهله ليعود إلى القاهرة، فقد قتله فرسه عندما رماه و وقع عليه و خسف صدره [1] . و تصرّفه هذا غريب جدا، لا حكمة فيه، و لا يمت بصلة لسياسة الحكم الرشيد، و يبدو إنه كان واقعا تحت تأثير طائفة من خصوم الحنابلة و أهل الحديث المتعصبين الذين حرّضوه عليهم.
و الرابع هو الملك قطب الدين محمد بن الملك صاحب سنجار الزنكي (ت بعد:594 ه) ، كان حنفيا شديد التعصب على الشافعية كثير الذم لهم، فمن تعصّبه عليهم أنه بنى مدرسة للحنفية بمدينة سنجار و اشترط على أن يكون النظر فيها للحنفية من أولاده دون الحنفية منهم، و أن يكون بواب المدرسة و فراشها على المذهب الحنفي [2] .
و الملك الخامس هو شرف الدين عيسى بن العادل الأيوبي (ت 624 ه) ، كان فقيها أديبا شديد التعصب للمذهب الحنفي، و لم يكن في بني أيوب حنفي قبله سواه، و قد تبعه أبناؤه في تبنيهم للمذهب الحنفي [3] ... .
و السادس هو ملك المغول خربندا محمد بن أرغون بن هولاكو (ت 716 ه) ، تمذهب أولا بالمذهب السني لمدة عام، ثم تحوّل إلى المذهب الرافضي-أي الشيعي- و تعصّب له تعصبا شديدا، فأقام شعائره و شجّعه على حساب المذهب السني، و تسبب في حدوث فتن و شرور كثيرة بين الشيعة و السنة بالعراق و بلاد فارس و خُراسان؛ فلما مات و خلفه ابنه أبو سعيد تغير حال أهل السنة، لأنه كان على مذهبهم، فأمر بإقامة الخطبة بالترضي على الشيخين أبي بكر و عمر أولا، ثم عثمان و علي ثانيا -رضي الله عنهم أجمعين- ففرح أهل السنة بذلك، و توقفت الفتن التي أثارها والده خربندا [4] .
و آخرهم -أي الثامن [5] - هو ملك مصر و الشام الظاهر سيف الدين ططر المملوكي (ت 824 ه) ، كان شديد التعصب لمذهب أبي حنيفة النعمان، حتى أنه كان يريد أن لا يدع أحدا من فقهاء المذاهب الأخرى إلا فقهاء الحنفية [6] .
و أما لوزراء المتعصبون لمذاهبهم، فمنهم الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485 ه) ، كان كثير التعصب للشافعية، و مكّن لهم في دولته. و قد اتهمه بعض الحنفية بأنه كان يولي الحنفية
(1) الذهبي: السيّر، ج 29 ص: 292. و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 18.
(2) ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 2 ص: 331.
(3) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 7 ص: 202.
(4) ابن كثير: البداية، ج 14 ص: 77.
(5) السابع هو الملك أبو سعيد بن خربندا.
(6) الشوكاني: البدر الطالع، ج 1 ص: 302.