، و حذّرهم من عدم موالاتهم، و استمرارهم عل جهالتهم و ضلالتهم في موقفهم منهم-أي الصحابة- و التي استوجبوا بها النكال، و استحقوا بها عظيم الخزي و الوبال [1] .
و آخرهم - أي الخلفاء العباسيون- هو الناصر لدين الله (575 - 622ه) ، كان متشيعا لمذهب الشيعة الاثنى عشرية، فمكن لهم في دولته، و سبوا الصحابة علانية تحت حمايته، و في المقابل ضيق على أهل السنة. و في زمانه تمكن وزيره الشيعي ابن القصاب من إلحاق الأذى بابن الجوزي و نفيه إلى مدينة واسط [2] .
و أما الحكام العُبيديون الفاطميون بالمغرب و مصر و الشام، فقد كانوا متعصبين تعصبا أعمى لمذهبهم الإسماعيلي من جهة، و كانوا حربا على المذهب السني من جهة أخرى، فضيقوا على أهله و طاردوهم، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، حدث ذلك في زمن كبيرهم عبيد الله المهدي (297 - 322ه) ،و ابنه أبي القاسم محمد القائم (322 - 334ه) ، و العزيز بالله نزار بن المعز (365 - 386ه) ، و أبي تميم المستنصر (427 - 487ه) [3]
و فيما يخص الملوك و السلاطين المتعصببين، فمنهم الملك محمود بن سبكتكين (ت 421ه) ، كان حنفيا ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي، قأحدث بذلك تعصبا بين الحنفية و الشافعية. كما أنه كان في الأصول على مذهب أهل الحديث محبا لأهله و منتصرا له، سيرا على طريقة الخليفة العباسي القادر بالله في انتصاره للسنة و قمعه لمخالفيها، ففي سنة 409 هجرية لٌعنت الرافضة و القرامطة، و المشبّهة و المعتزلة، و الجهمية على المنابر و هددهم بالقتل [4] .
و ثانيهم السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589ه) ، فقد كان شافعي الفروع أشعري الأصول، و انتصر لهذين المذهبين انتصارا كبيرا علانية و تعصب لهما على حساب مذاهب الطوائف الأخرى، فأعطى القضاء للشافعية في دولته، و مكّن للأشعرية في مملكته، و على نهجه سار أولاده من بعده في التمكين للأشعرية التي حرص على تربيتهم عليها [5] .
و الثالث هو السلطان العزيز بن صلاح الدين الأيوبي (ت 595ه) ، كان على طريقة والده في الانتصار للشافعية و الأشعرية، و لما سمع بما حدث من خلاف بين جماعة من الأشاعرة و الحافظ عبد الغني الحنبلي المقدسي (ت 600ه) في مسألة صفات الله تعالى قال إنه إذا رجع من سفرته
(1) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 9 ص: 28، 29.
(2) الذهبي: العبر، ج 4 ص: 241. ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 19. و ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 304، 426. و ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 7 ص: 173.
(3) الذهبي: السير، ج 15 ص: 152، 154، 170، 196.
(4) نفس المضدر، ج 15 ص: 135.
(5) أبو شامة: كتاب الروصتين، ج 4 ص: 382. و المقريزي: الخطط، ج 2 ص: 343، 358.