فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 180

فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به إلى البحر فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي رجاء، سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت فقالوا لي ولم يرفع يديه فقلت كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهذا مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته وقمت معه إلى المسكن من المحرس ورأى تغير وجهي فأنكره وسألني فأعلمته فضحك وقال ومن أين لي أن أُقتل على سنة؟ فقلت له ولا يحل لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك فقال دع هذا الكلام وخذ في غيره )) [1] .

و المثال الثالث- و هو الأخير- مفاده أن القاضي الحنفي أمير كاتب بن عمر الأكفاني (ت 758ه) ، صنّف كتابا تناول فيه مسألة رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه، أدعى فيه بطلان صلاة من يفعل ذلك. و عندما رأى أحد الأمراء يصلي و يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه، قال له: إن صلاتك باطلة في مذهب أبي حنيفة [2] .

و الصواب في هذه المسألة هو أنه تبت أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- كان يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه، و قد روى ذلك البخاري و مسلم و غيرهما. و الذي ذهب إليه الحنفية هو مذهب ضعيف، و قد طعن كثير من أئمة النقد في الحديث الذي اعتمدوا عليه، و ترده أيضا الأحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة [3] .

و المسألة الرابعة-من مسائل الفروع- هي مسألة إقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة، و هي مسألة اختلف فيها فقهاء الطائفتين بين مُجيز و مانع لها، فأحدثت تعصبا غريبا مذموما بين الفريقين. فالحنفية أفتى كثير من فقهائهم -كابن الهمام-ببطلان صلاة الحنفي خلف إمام شافعي، و قال بعضهم: (( إقتداء الحنفي بشافعي غير جائز ) )، لأن رفع اليدين- في الصلاة- عند الركوع و الرفع منه مُفسد للصلاة. و قيد بعضهم الجواز بأن لا يكون الشافعي متعصبا، و لا شاكا في إيمانه، و يحتاط في موضع الخلاف [4] .

و أما الشافعية، فهم أيضا اختلف فقهاؤهم في حكم إقتداء الشافعي بالحنفي في الصلاة، فقالوا: إذا توضأ حنفي و اقتدى به شافعي و (( الحنفي لا يعتقد وجوب نية الوضوء و الشافعي يعتقدها ) )، فإن في ذلك أوجه، أولها (( قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، لا يصح اقتداؤه

(1) القرطبي: تفسير القرطبي، حققه أحمد البردوني، ط2، القاهرة، دار الشعب، 1372ه، ج 19 ص: 281.

(2) ابن حجر: الدرر الكامنة، حققه محمد العيد خان، ط2، الهند، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1972،ج 494.

(3) السيد سابق: فقه السنة، ج 1 ص: 108.

(4) محمد السيواسي: شرح فتح القدير، ج 1 ص: 436. و عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، ص: 165، 167. و الصنهاني محمد بن إسماعيل: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، حققه صلاح الدين مقبول، ط 1، الكويت، الدار السلفية، 1396ه، مقدمة المحقق، ص: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت