فهرس الكتاب
و مشاغباتهم تجاه الشافعية، و لم يُوقفوا ذلك إلا بعدما أصدر الخليفة الراضي بالله (322 - 329ه) توقيعا عنيفا زجرهم فيه، و هددهم بالقتل و التنكيل، و التشريد و حرق البيوت [1] .
و في سنة 447 هجرية حدثت فتنة بين الحنابلة و الشافعية الأشاعرة ببغداد، كان من أسبابها جهر الشافعية بالبسملة في الصلاة، فانقسمت العامة بين مؤيد و مخالف لهم، ثم انحازت كل طائفة إلى الطرف الذي مالت إليه، و لم تفلح مساعي ديوان الخليفة في التوفيق بين الفريقين و بقي الخلاف قائما، ثم توجه الحنابلة إلى أحد مساجد الشافعية، و نهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفا و قال لهم: (( أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها ) )، ثم تطور النزاع إلى الاقتتال، فتقوى جانب الحنابلة و تقهقر جانب الشافعية الأشاعرة، حتى أُلزموا البيوت، و لم يقدروا على حضور صلاة الجمعة و لا الجماعات، خوفا من الحنابلة [2] .
و هذه الفتنة أسبابها الظاهرة فقهية، لكن خلفياتها المحركة لها هي أسباب أصولية عقيدية، تعود إلى النزاع القائم بين الحنابلة و الأشاعرة بسبب الخلاف في مسائل الصفات و الإيمان و غيرها، لذا وجدنا المؤرخيّن ابن الجوزي، و ابن كثير يطلقان على الشافعية اسم الأشاعرة في هذه الفتنة [3] . كما إن حدوث الاقتتال بينهما هو دليل آخر على إن الأسباب عميقة، و لا تقتصر على مسألة فقهية فرعية مختلف فيها.
و الصواب في مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة، هو أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- جهر و أسر، و كان إسراره أكثر من جهره، و مذهب جمهور الفقهاء عدم الجهر؛ و قد صحّت في ذلك أحاديث كثيرة مروية في الصّحاح و المسانيد. و أما أحاديث الجهر بالبسملة فقد ضعّفها بعض المحققين [4] .
و المسألة الثانية - التي أثارت التعصب- هي قراءة دعاء القنوت في صلاة الصبح، و هي أيضا اختلف فيها الفقهاء، فقال المالكية و الشافعية إنها سنة، و قال الحنابلة و الحنفية أنها ليست سنة، فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنيين [5] ، و كان من أسباب فتنة 447هجرية بين الحنابلة و الأشاعرة التي [6] سبق ذكرها. كما أن هذا الخلاف هو الذي جعل ابن الجوزي يتهم الخطيب البغدادي بالتعصب و التعمد في استخدام الأحاديث الضعيفة في مسألة دعاء القنوت، تأييدا لمذهبه الشافعي في هذه المسألة [7] .
و قد حقق ابن قيم الجوزية هذه المسألة، و قرر أن الصحيح فيها هو أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- قنت و ترك، و تركه له أكثر من فعله، فإنه (( إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، و للدعاء على آخرين، ثم تركه لما قَدِم من دعا لهم و تخلّصوا من الأسر، و أسلم من دعا عليهم و جاؤوا تائبين. فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، و لم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر و المغرب ) ) [8] .
و المسألة الفقهية الثالثة -التي أثارت التعصب- هي مسألة رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه في الصلاة، فقال كثير من الفقهاء بمشروعيته، و قال الحنفية و غيرهم إنه مُبطل للصلاة [9] . فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنين، أذكر منه ثلاثة أمثلة، أولها إن الفقيه أصبع بن خليل القرطبي المالكي (ت272ه) دفعه تعصبه لمذهب مالك إلى اختلاق حديث نسبه إلى الرسول-عليه الصلاة و السلام-، فيه ترك لرفع اليدين عند الركوع و الرفع منه في الصلاة، تأييدا لمذهبه الذي لا يرى ذلك، لكن أمره انكشف للناس [10] .
و ثانيها-أي الأمثلة- ما رواه القاضي أبو بكر بن العربي (ت 543ه) فيما حدث لشيخه أبي بكر الطرطوشي الفهري المالكي (ت520ه) عندما رآه بعض متعصبة المالكية يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه، فقال: (( ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشيعة فحضر عندي يوما في محرس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي ثم صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعدا على طاقات البحر أتنسم الريح من شدة الحر ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر و قائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع على مراكب تخت الميناء فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا،
(1) ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 182.
(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 163.و ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 73. و ابن كثير: البداية و النهاية، ج 12 ص: 66.و أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر، ج4 ص: 77.
(3) ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 8 ص: 163.و ابن كثير: نفس المصدر، ج 12 ص: 66.
(4) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد، حققه شيعب الأرناؤوط، و عبد القادر الأرناؤوط، ط14، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1986، ج 1 ص: 272. و بدر الدين الحنبلي: مختصر فتاوى ابن تيمية، حققه حامد الفقي، بيروت، دار الكتب العلمية، د ت، ص: 46 و ما بعدها. و ابن يوسف الزيلعي: ... نصب الراية، ج 1 ص: 355. و الألباني: تمام المنة في التعليق على فقه السنة، ط3 دار الراية، السعودية، 1409ه ص: 169.
(5) ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الاختلاف، ج 1 ص: 45، 459. و نصب الراية، ج 2 ص: 136.
(6) أنظر: ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 163. و ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 73. و ابن كثير: المصدر السابق، ج 12 ص: 66.
(7) ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415ه، ج 1 ص: 462 و ما بعدها.
(8) ز، ج 1 ص: 272.
(9) محمد السيواسي: شرح فتح القدير، ط 2، بيروت، دار الفكر، د ت، ج 1 ص: 436. و سيد سابق: فقه السنة، ج 1 ص: 108.
(10) ابن حجر: لسان الميزان، ج 1 ص: 458.