و من ذلك أيضا أنه رُوي أن إبراهيم بن عتاب الخولاني القيرواني (ت261ه) كان إماما لمسجد ابن سُحنون، متعصبا للطائفة السُحنونية شديد التحامل على ابن عبدوس و أصحابه، فلما مات ابن عبدوس لم يُصل عليه ابن عتاب -إمام مسجد ابن سُحنون- و قال فيه: إنه كان رجلا شكوكيا [1] .
و يرى القاضي عياض أن الخلاف بين الطائفتين السُحنونية و العبدوسية هو خلاف لفضي لا حقيقي، فمن نظر إلى الخاتمة و الحال المغيب و ما سبق به القدر، قال بالاستثناء. و من نظر إلى نفسه و صحة معتقده في وقته لم يقل بالاستثناء [2] . و قوله هذا صحيح، مع العلم أن الإيمان الذي يُدخل الجنة هو الإيمان الذي يجمع بين الاعتقاد بالجنان، و النطق باللسان، و العمل بالجوارح، و هذا الإيمان لا يعلم قبوله ومصيره إلا الله تعالى.
و من ذلك أيضا ما حدث بين الشافعية و الحنفية في نهاية القرن الثالث عشر الهجري، و ذلك أن أحدشيوخ الشافعية بطرابلس الشام ذهب إلى المفتي، و قال له: (( اقسم المساجد بيننا و بين الحنفية، لأن فلانا من فقهائهم يعتبرنا كأهل الذمة، بما أذاعه في هذه الأيام من اختلاف الأحناف في: هل يجوز للحنفي أن يتزوج شافعية؟!. فقال بعضهم: لا يصح لأنها تشك في إيمانها، لأن الشافعية يُجيزون أن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله. و هذا يدل على عدم تيقنها في إيمانها، و الإيمان لابد فيه من اليقين [3] . و هذا اعتراض في غير محله، لأن الذين يستثنون في الإيمان يقصدون بذلك تعليق قبوله و تحقيقه بالمشيئة الإلهية، و لا يقصدون الشك في الله تعالى و رسوله-عليه الصلاة و السلام.
و أما مسائل الفروع-التي أثارت التعصب بين السنيين- فسأذكر منها خمسا إن شاء الله تعالى، أولها مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة، اختلف فيها الفقهاء، و تضاربت حولها الروايات، فمنهم من قال بالجهر بها في الصلاة، و منهم من قال بالسر بها في الصلاة، فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنيين، من ذلك أن جماعة من الحنابلة ببغداد أحدثوا فتنة في المجتمع سنة 323هجرية، عندما اعترضوا على كل ما يرونه مخالفا للشرع حسب مذهبهم، كاعتراضهم على من يجهر بالبسملة في الصلاة، الأمر استدعى تدخل الشرطة ضدهم، فأمرت بأن لا يُصلي حنبلي بالناس إلا إذا جهر بالبسملة في صلاتي الصبح و العشاء، فلم يرتدع الحنابلة و استمروا في عنفهم
(1) نفس المصدر، ترجمة إبراهيم بت عتاب، ص: 460.
(2) نفس المصدر، ج 1 صك 382.
(3) عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، الجزائر، قصر الكتاب، 1990، ص: 166 - 167.