فنشب قتال بين الجماعتين قُتل فيه خلق كثير، و لم يتوقف القتال إلا بتدخل الجند [1] . و كان شيخ الحنابلة أبو محمد البربهاري (ت329ه) لا يحل بمجلس إلا ذكر فيه إن الله يُجلس رسوله بجانبه على العرش [2] .
و الصواب في هذه المسألة هو أن الحنابلة -في تعصبهم لرأيهم- كانوا على خطأ، لأنهم تمسّكوا بآثار ضعيفة و أخرى موضوعة، قاتلوا من أجلها، و تركوا أحديث صحيحة تُبطلوا ما ذهبوا إليه. لأنه قد ثبُت في أحاديث صحيحة رواها البخاري، و أحمد، و ابن خزيمة، و غيرهم من المحدثين، مفادها أن المقام المحمود هو شفاعة النبي-صلى الله عليه وسلم - العظمى لأمته يوم القيامة [3] ، و ليس ما ذهب إليه هؤلاء الحنابلة، تعصبا لروايات ضعيفة، و تركًًا لروايات صحيحة.
و المسألة الأخيرة-أي الثالثة- تتعلق بمسألة الاستثناء في الإيمان، فقد اختلف فيها العلماء، و أثارت بنهم تعصبات، فبعضهم قال بمشروعية الاستثناء في الإيمان، كأن يقول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. و بعضهم عارض ذلك و جعل الاستثناء شكا في الإيمان و لا يصح قوله، و على المسلم أن يقول: أنا مؤمن. و قد أحدثت هذه المسألة خلافات و تعصبات و مواجهات بين المالكية بمدينة القيروان، فأنقسم أهل العلم بها إلى طائفتين، الأولى عُرفت بالسحنونية نسبة للفقيه محمد بن سُحنون (ت256ه) ، و كانت لا تستثني في الإيمان. و الثانية عُرفت بالعبدوسية، نسبة إلى الفقيه غالب بن عبدوس (ت260ه) ، و كانت تقول بالاستثناء في الإيمان، و تنكر على السُحنونية مقالتها، و تُتنسبها إلى الإرجاء لقولها: أنا مؤمن عند الله، دون أن تستثني في ذلك. و كانت الأولى-أي السُحنونية-تسمي الثانية-أي العبدوسية- بالشكوكية لاستثنائها في الإيمان؛ فأصبحت كل طائفة تتعصب على الأخرى [4] .
فمن ذلك أنه رُوي أن أحدا من الطائفة السُحنونية ذهب إلى الفقيه ابن عبدوس و سأله عن مسألة الاستثناء في الإيمان، فأجابه ابن عبدوس بقوله: أنا مؤمن و سكت. فقال له الرجل: أعند الله؟، فقال ابن عبدوس: قد قلتُ لك، فأما عند الله فلا أدري بما يُختم لي، فبصق الرجل في وجه ابن عبدوس و انصرف [5] .
(1) ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 162. و أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر،، بيروت، دار الكتاب اللبناني، د ت مج 1ج 3 ص: 94.
(2) أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 43.
(3) أنظر: ابن كثير: المصدر السابق، ج 11 ص: 162. و تفير القرآن العظيم، ج 4 ص: 335. و ابن خزيمة: كتاب التوحيد، دار الكتب العلمي، بيروت، 1978، ص: 305، 306 , و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 14 ص: 394. و الألباني: صحيح الجامع الصغير، مج 2 رقم: 6721. و مختصر العلو للعلي الغفار، ص: 15.
(4) القاضي عياض: ترتيب المدارك، ج 1 ص: 382، 386.
(5) نفسه، ج 1 ص: 386.