لعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوّره الساقط، و تلك الخصلة إن الحنابلة على الإسلام و السنة، و اليهود على الكفر و الضلالة )) [1] .
و واضح إن تشنيع الأشاعرة على أهل الحديث بذلك الطريق الملتوي، هو في حقيقته رد للشرع، و قدح فيه، و تحايل على المسلمين، بإلقاء التهمة على أصحاب الحديث، بدلا من الإعلان صراحة رفضهم لتلك الصفات التي وردت في الكتاب و السنة الصحيحة، و هو في النهاية رفض للقرآن و السنة، فالمفروض إنه كان عليهم أن يُعلنوا موقفهم صراحة من تلك الصفات ليعرف الناس حقيقة موقفهم منها.
و الشاهد الخامس يتعلق بما ادعاه الفقيه تاج الدين السًبكي الشافعي الأشعري (ت قرن:8ه) ، من أن الرعاع من الحنابلة هم الذين خرجوا عن عقيدة الأشعري، و التحقوا بأهل التجسيم [2] . و قوله هذا فيه تعصب مفضوح و افتراء مكشوف، لأنه بما أن معظم علماء الحنابلة ما كانوا أشاعرة، و إنما كانوا على مذهب السلف و أهل الحديث في أصول الدين، فهذا يعني حسب زعمه-أي السُبكي- أن غالبية علماء الحنابلة كانوا رعاعا مجسمة، و هو اتهام خطير و بهتان مُتعمد مكشوف، و دعوى لا دليل عليها، و مجازفة دافعها التعصب المذموم، فأعيان الحنابلة الذين كانوا على مذهب السلف، كغلام الخلال، و ابن شاقلا، و الشريف أبي جعفر، و أبي البركات الأنماطي، و ابن هبيرة، و الحافظ عبد الغني، و الموفق بن قدامة، و الحافظ الضياء، و مجد الدين بن تيمية، و تقي الدين بن تيمية، و ابن القيم الجوزية، و غيرهم كثير، هؤلاء كلهم هم عند التاج السُبكي رعاع مجسمة، و هذا-بلا شك - ادعاء باطل مردود على صاحبه، دافعه تعصب أعمى ممقوت.
و المسألة الثانية-من مسائل الأصول التي أثارت التعصب- هي مسألة المقام المحمود، و مفادها أنه حدث ببغداد (سنة 317ه) خلاف بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي و طائفة من العامة، في تفسير قوله تعالى: (( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) )- سورة الإسراء/49 - ، فقال الحنابلة: إن الله تعالى يُجلس رسوله-عليه الصلاة و السلام- إلى جانبه على العرش يوم القيامة. و قال معارضوهم: إن المقام المحمود المذكور في الآية، هو الشفاعة العظمى يوم القيامة،
(1) السجزي: رسالة السجزي، ص: 45.
(2) السبكي: طبقات الشافعية، ج 3 ص: 365 - 366. و معيد النعم و مبيد النقم، حققه محمد علي النجار، ط1، القاهرة، جماعة الأزهر، 1948، ص: 75.