فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 180

الجوزي: إما أنه كان يجهلها فلا يُعتمد عليه فيها، و إما أنه كان على علم بها، فيكون معاندا كذابا دساسا [1] .

و الحالة الثالثة تتعلق بمحنة الفقيه أبي محمد بن حزم الأندلسي (ت 456ه) ، فنه لما اختلف مع فقهاء المالكية بالأندلس تعصّبوا عليه و اجمعوا على تضليله، و شنّعوا عليه و حذّروا أكابرهم منه، و نهوا عوامهم من الاقتراب منه، و استعانوا عليه بأمراء البلد، و آذوه و مقتوه، و طردوه و شردوه من وطنه، و أحرقوا كتبه و مزقزها علانية بإشبيلية، و جرت له معهم مصائب أخرى [2] .

و لما أصابته تلك المحنة تعرّض بعض أصحابه أيضا للمطاردات و المضايقات، منهم: المحدث أبو عبد الله الحميدي الميورقي (ت 488ه) ، فإنه كان من المتعصبين لابن حزم، فلما اشتد عليه الحال تعرّض هو أيضا لمحنة جعلته يترك بلاده و يلتحق بالمشرق هروبا من ذلك [3] .

و بسبب مطاردة هؤلاء لابن حزم لم يُقبل أهل العلم -بالمغرب و الأندلس- على مصنفاته، فأهملوها و أغفلوها و ازدروها و حاصروها، حتى أصبح بيعها ممنوعا في الأسواق [4] . و أما لماذا حدث ذلك كله بينه و بين فقهاء المالكية؟، فيبدو أن ذلك يعود إلى سببين رئيسيين، الأول هو أن ابن حزم كان مخالفا لهم في المذهب، فهو كان ظاهريا مجتهدا لا يُقلد أحدا، و هم كانوا مالكية مقلدين مذهبيين [5] . و الثاني هو طول لسانه-أي ابن حزم- و كثرة اعتداده بنفسه، و استخفافه بكبار العلماء، و وقوعه في أئمة الاجتهاد بأقبح عبارة و أبشع رد، حتى قيل: سيف الحجاج و لا لسان ابن حزم. و كتبه شاهدة على ذلك، فهي مملوءة بالسب و الشتم الاستخفاف بالمخالف، لذلك تألب عليه فقهاء المالكية و اشتدوا في مطاردته.

و الحالة الرابعة تتعلق بمحن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي (ت 600ه) ، فإنه تعرّض لعدة محن، منها إنه عندما قرأ يوما شيئا من أحاديث الصفات بالجامع الأموي بدمشق، تعصّب عليه جماعة من الأشاعرة و اتهموه بالتجسيم، و رفعوا أمره إلى والي دمشق، و في حضرته حاكموه، فأفتوا بكفره و قتله، و إخراجه من دمشق طريدا [6] .

و المحنة الثانية أصابته بأصفهان، و ذلك أنه عندما دخلها و رد على الحافظ أبي نُعيم الأصفهاني (ت 430ه) في بعض ما كتبه، و انتقده في 290 موضعا، تعصب عليه رئيس البلد

(1) ابن الجوزي: العلل المتناهية، ج 1 ص: 236، 237.

(2) الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1145. و ابن حجر: اللسان، ج 4 ص: 200.

(3) الذهبي: نفس المصدر، ج 4 ص: 1220.

(4) ابن خلدون: المقدمة، ص: 354. و ابن حجر: نفسه، ج 4 ص: 200.

(5) ابن خلدون: نفسه، ص: 354.

(6) الذهبي: العبر، ج 4 ص: 286. و السير، ج 21 ص: 455، 459، 463، 464. و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت