كانت معظم الدول الإسلامية - التي شهدها العصر الإسلامي- متمذهبة متعصبة للمذاهب التي تبنتّها، مع اختلاف درجة التعصب من دولة لأخرى، فالدولة العباسية اتخذت الفقه المذهب الحنفي مذهبا رسميا لها و انتصرت له، لكنها في أصول الدين لم تتبن مذهبا معينا لها، و إنما كانت تنتصر للمذهب الذي يتبناه خليفة الوقت، ففي زمن الخليفة المأمون و المعتصم و الواثق (198 - 232 ه) ، كانت -أي الدولة العباسية- متعصبة لمذهب المعتزلة تعصبا سافرا، اضطهدت من أجله معارضيها بلا شفقة [1] .
و في عهد الخليفتين القادر بالله (381 - 422 ه) و ابنه القائم بأمر الله (422 - 567 ه) ، كانت -أي الدولة العباسية- على مذهب الحنابلة و أهل الحديث في الأصول، فتعصّبت له و ضيّقت على معارضيه [2] . و لكنها-أي الدولة العباسية- في زمن الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485 ه) و بتأثير منه انتصرت للمذهب الأشعري و ضيقت على خُصومه [3] .
و أما الدولة العُبيدية الفاطمية -بالمغرب و مصر و الشام- فكانت شيعية إسماعيلية المذهب، شديدة الانتصار له و التعصب على أهل السنة، فارتكبت في حقهم جرائم بشعة، و منعتهم من رواية السنة النبوية، و سبّت الصحابة علانية، و أحيت الرفض و أماتت السنة، فكان ظاهرها الرفض -أي التشيع- و باطنها الضلال و الانحلال، و فيها قال الحافظ شمس الدين الذهبي: (( قبّح الله دولة أماتت السنة و رواية الآثار النبوية، و أحيت الرفض و الضلال، و بثت دعاتها في النواحي تغوي الناس و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية، فبهم ضلّت جبلية الشام و تعثّروا ) ) [4] .
و كذلك دولة القرامطة بالبحرين و ما جاورها، فقد كانت إسماعيلية المذهب ظاهرها الرفض و باطنها الزندقة و الإلحاد، شديدة التعصب على أهل السنة، حتى أنها قتلت منهم آلاف الأبرياء داخل الحرم المكي بلا ذنب ارتكبوه إلا أنهم من أهل السنة [5] .
و أما الدولة البويهية (334 - 447 ه) ، فقد كانت شيعية زيدية المذهب، و تعصبت للاعتزال و الرفض، و أظهرتهما علانية و دعمتهما، و وقفت بجانب الشيعة في صراعهم مع أهل السنة، و شجّعت سب الصحابة و تكفيرهم [6] .
(1) سيأتي ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.
(2) سبق ذكر بعض ذلك في الفصلين الأول و الثاني، و سنكر شواهد أخرى قريبا.
(3) أنظر مثلا: ابن الجوزيك المنتظم، ج 9 ص: 93. و الذهبي: السير، ج 1 9، ص: 94. السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج 3 ص: 393.
(4) الذهبي: السير، ج 15 ص: 196، ج 16 ص: 468، ج 18 ص: 497. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 233.
(5) الذهبي: نفس المصدر، ج 13 ص: 470، ج 14 ص: 539، ج 15 ص: 152.
(6) نفس المصدر، ج 15 ص: 364، ج 16، ص: 250 ج 17 ص: 650. و ابن كثير: البداية، ج 11 ص: 233.