فهرس الكتاب
الله لها نبيا، و ما بعث محمد بن عبد الله -صلى الله عليه و سلم- لدعوة الناس إليها، و هي قطب الإسلام و عماد الدين )) ، و قد زعم أبو حنيفة أن هذا (( القدر -من الصلاة- أقل من الواجب، فهي الصلاة التي بُعث لها النبي، و ما عداها آداب و سنن ) ) [1] .
و واضح من هذه الحادثة أن التعصب المذهبي كان من الطائفتين، فالشافعية تعصبوا لمذهبهم بالتهكم و الاستهزاء من كيفية الصلاة في المذهب الحنفي. و الحنفية حملهم تعصبهم لمذهبهم إلى الانتصار له بالباطل، عندما أنكروا أمرا صحيحا ثابتا في مذهبهم لا يمكنهم إخفاؤه.
و ثالثا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا: الطعن و القدح و السب، و نذكر على ذلك خمسة شواهد، أولها إنه كان زمن الخليفة العباسي المتوكل على الله (232 - 247 ه) جماعة من الرافضة الإمامية يجتمعون فيما بينهم لتدارس الرفض، و سب الصحابة و شتم السلف [2] .
و الشاهد الثاني مضمونه أن شيخ الشيعة المفيد بن محمد (ت 413 ه) صنف كتبا كثيرة في مذهب الشيعة فيها الطعن على الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين، فكانت سببا في تضليل خلق من الناس و هلاكهم [3] .
و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أبي جعفر محمد الطوسي (ت 460 ه) ، كان شافعيا ثم تحوّل شيعيا إماميا، و أصبح يتنقص السلف، فضيّق عليه أهل السنة عندما كان ببغداد، فاختفى عن الأنظار و ارتحل إلى الكوفة [4] مركز الشيعة الإمامية.
و الشاهد الرابع خاص بالواعظ أبي بكر البكري الأشعري، فإنه عندما دخل بغداد سنة 475 ه، بأمر من الوزير نظام الملك، و أظهر مذهبه الأشعري علانية، دخل في نزاع مع الحنابلة، فكان يشتمهم و يستخف بهم، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام [5] .
و الشاهد الخامس يتضمن كلاما للقاضي أبي بكر بن العربي (ت 543 ه) في الحنابلة و أهل الحديث، فقال فيهم كلاما غليظا [6] ، و وصفهم بأوصاف شنيعة، فجعلهم ممن كاد للإسلام، و لا فهم لهم، و ليس لهم قلوب يعقلون بها، و لا آذان يسمعون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات، و
(1) أبو حامد الغزالي: المنخول، حققه محمد حسن هيتو، بيروت، دار الفكر، 1405 ص: 501.
(2) ابن خلكان: و فيات الأعيان، ج 1 ص: 351.
(3) ابن حجر: لسان الميزان، ج 5 ص: 368.
(4) الذهبي: السير، ج 18 ص: 335.
(5) ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 3، 4، 221. و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد، ج 2 ص: 185.
(6) للتوسع فيما حدث بين الأشاعرة و أهل الحديث من نزاع، أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، دار الإمام مالك، الجزائر، 2005.