و نشروا التوحيد و العدل، فدل ذلك على أنهم كانوا مؤمنين صالحين زمن رسول الله و بعده عليه الصلاة و السلام.
و ثانيا: إن من مظاهر التكفير و التضليل أيضا: التكفير المتبادل بين الطوائف السنية ذاتها، فهي أيضا كفّرت بعضها بعضا بسبب التعصب المذهبي الذي جرّها إلى التكفير و التضليل، و الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح، أولها ما ذكره الحافظ أبو نصر السجزي الحنفي (ت 444 ه) من أن أبا الحسن الأشعري و أصحابه جعلوا عوام المسلمين -الذين لا يعرفون الله بالأدلة العقلية- ليسوا مؤمنين في الحقيقة، و إن جرت عليهم أحكام الشريعة [1] . و ثانيها ما رواه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 ه) ، من أن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5 ه) كان يعتقد كفر المحدث ابن بطة العكبري الحنبلي [2] .
و ثالثها ما قاله الحافظ أبو نصر السجزي في مسألة كلام الله تعالى، فإنه قرر إن من قال بمقالة أبي الحسن الأشعري في القرآن الكريم [3] ، فهو كافر بإجماع الفقهاء [4] . و الشاهد الرابع ما ذهب إليه ابن حزم الظاهري، فإنه كفّر من يقول بمقالة الأشعري في كلام الله تعالى، و جعلها من أعظم الكفر، و هي مقالة مخالفة للقرآن و تكذيب لله تعالى [5] .
و الشاهد الخامس يتعلق بالفقهاء في دولة المرابطين بالمغرب و الأندلس (451 - 541 ه) فإنهم كفروا كل من ظهر منه الخوض في شيء من علم الكلام [6] . و حكمهم هذا مبالغ فيه جدا، و لا يصح على إطلاقه، لأن علم الكلام فيه الضار و النافع، و الحق و الباطل، و ليس كل من خاضه هو كافر بالضرورة، و فد تعاطاه علماء كبار لم تكفرهم الأمة و لهم لديها شأن كبير، منهم: أبو الحسن الأشعري، و أبو بكر الباقلاني، و أبو بكر بن العربي، و ابن عقيل الحنبلي، و القاضي أبو يعلى الفراء، و ابن تيمية، و ابن قيم الجوزية، و غير هم كثير.
(1) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد في مسألة الحرف و الصوت، ص: 50.
(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 7 ص: 114.
(3) تدعي الأشعرية و الكلابية أن القرآن الكريم ليس كلام الله حقيقة، و إنما هو حكاية و عبارة عن كلام الله، بعبارة جبريل أو محمد. و لا شك أن هذا زعم باطل لا دليل عليه من النقل و لا من الشرع، و للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث.
(4) السجزي: المصدر السابق، ص: 15.
(5) ابن حزم، الفصل، ج 3 ص: 4، 5، ج 4 ص: 159.
(6) عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، حققه سعيد العريان، ط 1، القاهرة، مطبعة الإستقامة، 1368، ج 1 ص: 172 ,