فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 180

و هذه الحادثة مثال على التعصب المذهبي المتبادل بين الطائفتين السنية و الشيعية، فالرافضيان دفعهما تعصبهما إلى التسلل إلى صفوف أهل السنة لتحقيق أهداف ما، و السنيون-الذين فعلوا ذلك- بالغوا في التعصب لطائفتهم و الانتصار لمذهبهم، عندما أحرقوا الرجلين بتلك الكيفية؛ و يبدوا أنهم لم يستتيبوا الرافضيين، بناء على جواب القاضي مفتي الحنفية الذي لم يوافق على ما حدث للرجلين.

و أما لماذا أندس هؤلاء الرافضة في صفوف أهل السنة، فيبدو لي - و الله أعلم- أنهم كانوا يهدفون إلى تحقيق جملة أمور، أولها السعي لإفساد فكر أهل السنة و التشويش عليهم في موقفهم من الصحابة، و في المسائل المختلف فيها بين الطائفتين. و ثانيها هو التشفي من الصحابة و السنيين و النكاية بهم في سبهم للصحابة و لعنهم علانية. و ثالثها إشباع الرافضة-أي الشيعة- لأهوائهم و أحقادهم الدفينة في موقفهم من الصحابة و السنيين، تعصبا عليهم و انتصارا لمذهبهم. و آخرها هو التجسس على أهل السنة لمعرفة أحوالهم الداخلية، عساهم ينتفعون بها في التعامل معهم و التآمر عليهم.

و ثانيا: استخدام الضرب و التضييق التهديد في التعامل مع المخالفين في المذهب، فمن ذلك أن الخليفة العباسي القادر بالله (381 - 422 ه) لما عزل خُطباء الشيعة من المساجد ببغداد، و عوّضهم بأهل السنة، احتج هؤلاء-أي الشيعة- و تعرّضوا للخطيب السني بمسجد براثا الشيعي بالضرب بالاجر، فكسروا أنفه و خلعوا كتفه، فتدخل الخليفة و انتقم منهم عقابا لهم و انتصارا لأهل السنة، فجاء كبراؤهم -أي الشيعة- و اعتذروا له- أي للخليفة- بأن الذي حدث فعله سفهاؤهم [1] .

و الشاهد الثاني يتعلق بما حدث للحافظ أبي إسحاق بن الحبال المصري (ت 482 ه) في دولة العبيديين بمصر، فقد منعوه من التحديث (بعد سنة 476 ه) ، و أخافوه و هددوه، فامتنع من قراءة الحديث النبوي. و لما أراد القاضي أبو علي الصدفي الأندلسي الدخول عليه، اشترط عليه أن لا يُسمعه حديثا و لا يكتب له إجازة، فلما دخل عليه و كلّمه، خاف منه و خلّط في كلامه خوفا من أن يكون مدسوسا عليه، فلما باسطه و أخبره أنه أندلسي يريد الحج، أجاز له لفظا لا كتابة. و قد علّق الذهبي على ذلك بقوله: (( قبّح الله دولة أماتت السنة و رواية الآثار، و أحيت الرفض و الضلال، و بثّت دعاتها في النواحي تغوي الناس، و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية، فبهم ضلّت جبلية الشام و تعثّروا ) ) [2] .

(1) ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 26.

(2) سير أعلام النبلاء، ج 18 ص: 497.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت