إلى أن قال ×: =أما حياءُ الرب _ تعالى _ من عبده فذاك نوعٌ آخرُ لا تدركه الأفهامُ، ولا تكيِّفه العقولُ؛ فإنه حياءُ كرمٍ، وبرٍّ، وجودٍ، وجلالٍ؛ فإنه _ تبارك وتعالى _ حييٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا، ويستحيي أن يعذب ذا شيبةٍ شابت في الإسلام+.
تعريف الحياء: أما تعريف الحياء فقد عرفه العلماء بتعريفات متقاربة هي _تقريبًا_ من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، فمن تلك التعريفات ما يلي:
1_ عرفه ابن الصلاح بقوله: =وإنما حقيقة الحياء: خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق+.
2_ وعرفه الزمخشري بأنه: =تَغَيُّرٌ وانكسار يلحق من فعل أو تركٍ يذم به+.
3_ وقال ابن مفلح: =وحقيقة الحياء: خلق يبعث على فعل الحسن، وترك القبيح+.
4_ وعرفه بعض العلماء بأنه =عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح+.
أقسام الحياء: وأما أقسام الحياء فقد قَسَّم بعضُ العلماءِ الحياءَ إلى ثلاثةِ أقسام وبعضُهم إلى أكثر من ذلك.
قال الماوردي ×: =واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: حياؤه من الله _ تعالى _ ويكون بامتثال أوامره، والكف عن زواجره.
والثاني: حياؤه من الناس، ويكون بكف الأذى، وترك المجاهرة بالقبيح.
والثالث: حياؤه من نفسه، ويكون بالعفة، وصيانة الخلوات+.
وقال ابن القيم ×: =وقد قُسِّمَ الحياءُ على عشرة: حياءُ جناية، وحياءُ تقصيرٍ، وحياءُ إجلالٍ، وحياءُ كرمٍ، وحياءُ حشمةٍ، وحياءُ استصغارٍ للنفس، واحتقارٍ لها، وحياءُ محبةٍ، وحياءُ عبوديةٍ، وحياءُ شرفٍ وعزٍّ، وحياءُ المستحيي من نفسه.
فأما حياءُ الجناية، فمنه حياءُ آدمَ _ عليه السلام _ لما فر هاربًا من الجنة، فقال الله _ تعالى _: =أفرارًا مني يا آدم؟
قال: لا يا رب، بل حياءًا منك+.