وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقناعتها بالدون، فيجدُ نفسَه مستحييًا من نفسه، حتى لكأن له نَفْسين، يستحي بإحداهما من الأخرى.
وهذا أكملُ ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر+ انتهى ملخصًا من كلام ابن القيم ×.
إشكال في الحياء: قد يشكل على بعض الناس كونُ الحياءِ من الإيمان، وكونُه خيرًا، أو لا يأتي إلا بخير مع أن صاحبه قد يمتنع من أن يواجِهَ بالحق من يستحيي منه؛ فيترك إنكار المنكر عليه، وأمرَه بالمعروف، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة.
والجواب أن ذلك المانعَ ليس حياءًا حقيقيًا بل هو صوريٌّ وإنما هو عجز ومهانةٌ، وخورٌ، وتسميته حياءًا من باب التجوز؛ لمشابهته الحياء الحقيقي.
هل الحياء غريزة أو اكتساب؟ ولسائل أن يسأل: هل الحياءُ غريزةٌ وطبيعةٌ تكون في الإنسان؟ أو هو اكتسابيٌّ وتخلق يأتي بالتدرب والأخذ بالأسباب؟
والجواب أن الحياءَ قد يكون غريزةً وطبيعةً في الإنسان، وقد يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر.
واستعماله على مقتضى الشرع يحتاج إلى كسب، ونية وعلم؛ فهو من الإيمان لهذا السبب، ولكونه باعثًا على أفعال البر، مانعًا من المعصية.
الحياء وسط بين رذيلتين: ثم إن الحياءَ وسطٌ بين رذيلتين إحداهما: الوقاحة، والأخرى: الخجل، ويقال لها: الخُرْق.
أما الوقاحةُ فمذمومةٌ بكلِ لسانٍ بالنسبة لكل إنسان وحقيقتها: لجاج النفس في تعاطي القبيح.
وأما الخرقُ وهو الدهشةُ من شدة الحياء، فيذم به الرجل لا سيما في المواطن التي تقتضي الإقدامَ، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكمِ بالحق، والقيام به، وأداء الشهادات على وجهها، ونحو ذلك.