الفائدة الثالثة: بديعة جدًا وهي جواب السؤال التاسع بعد هذا، وهي أن دخول الواو العاطفة في قول الكاتب =والسلام عليكم ورحمة الله+ فيها وجهان:
أحدهما: قول ابن قتيبة أنها عطف على السلام المبدوء به؛ فكأنه قال: =والسلام المتقدم عليكم+.
والقول الثاني: أنها لعطف فصول الكتاب بعضه على بعض؛ فهي عطف لجملة السلام على ما قبلها من الجمل كما تدخل الواو في تضاعيف الفصول، وهذا أحسن من قول ابن قتيبة لوجوه منها: أن الكلام بين السلامين قد طال؛ فعَطْفُ آخره بعد طوله على أوله قبيح غير مفهوم السياق.
الثاني: أنه إذا حمله على ذلك كان السلام الثاني هو الأول بعينه؛ فلم يفد فائدة متجددة، وفي ذلك شح بسلام متجدد، وإخلال بمقاصد المتكاتبين من تعداد الجمل والفصول واقتضاء كل جملة لفائدة غير الفائدة المتقدمة، حتى أن قارئ الكتاب كلما قرأ جملة منه لفائدة غير الفائدة المتقدمة تطلعت نوازع قلبه إلى استفادة ما بعدها؛ فإذا كررت له فائدة واحدة مرتين سَئِمَتْها نفسه؛ فكان اللائق بهذا المقصود أن يجدد له سلامًا غير الأول يَسُرُّه به كما سَرَّه بالأول وهو السلام العام الشامل، ولما فرغ الكاتب من فصول كتابه، وختمها أتى بالواو العاطفة مع السلام المعرف؛ فقال: =والسلام عليكم+ أي وبعد هذا كله السلام عليكم، وقد تقدم أن السلام إذا انبنى على اسم مجرور قبله كان سلام ردٍّ لا ابتداء فإنه يكون معرفًا نحو =وعليك السلام+ ولما كان سلام المكاتب ها هنا ليس بسلام رد _ قدَّم السلام على المجرور فقال: =والسلام عليكم+، وأتى باللام لتفيد تجديد سلام آخر والله أعلم.
وهذه فصاحة غريبة، وحكمة سلفية موروثة عن سلف الأمة، وعن الصحابة في مكاتبتهم، وهكذا كانوا يكتبون إلى نبيهم"، وقد فرغنا من جواب السؤال المتعلق بواو العطف+ (1) ."
(1) ـ بدائع الفوائد2/156ـ157.