الصفحة 51 من 244

ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا (1)

أما أهل السنة والجماعة فتمسكوا بالحق، وتعاملوا مع ولاة الأمور على وفق ما جاء في الشرع.

فهم يدينون لولاة أمورهم بالسمع والطاعة، وفي المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وعلى أثرة عليهم، ما لم يؤمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فيرون أن لا سمع ولا طاعة؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تكون الطاعة بالمعروف.

كما أنهم يدينون بالنصيحة لولاة الأمر، ويتعاونون معهم على البر والتقوى وإن كانوا فجَّارًا؛ لأن هدفهم الوحيد تحصيل المنافع وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ فلا يمتنعون من إعانة الظالم على الخير، وترغيبه فيه، فيشاركون الأئمة الظلمة في الخير، ويفارقونهم في الشر.

ولذلك فهم يرون إقامة الجمع والجماعات والأعياد معهم، ويرون أن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة مع كل برّ وفاجر (2) .

ثم إنهم لا ينزعون يدًا من طاعة، ولا ينازعون الأمر أهله، ولا يرون أن الأئمة يتحملون مسؤولية كل منكر وفساد، نعم هم يتحملون المسؤولية الكبرى، ولكن كل مسلم عليه مسؤولية يجب أن يقوم بها حسب قدرته واستطاعته.

كما أنهم لا يدينون بالخروج على أئمة الجور _ فضلًا عن أئمة العدل _ إلا إذا رأوا كفرًا بواحًا عندهم فيه من الله برهان، وكان لديهم قوة ومنعة، ولم يترتب على الخروج مفسدة أعظم؛ لئلا يجرّوا الأمة إلى البلايا والرزايا.

ثم إنهم أبعد الناس عن إغراق الولاة بالمديح الكاذب، والإطراء القاتل الذي يدخل الغرور في قلوب الولاة، ويورثهم الإعجاب بالنفس،وتناسيَ العيوبِ، وظنَّ الكمال، فلا يعرفون بذلك مواطن الخلل، ولا يسعون في علاجها.

(1) _ البيت لمحمد بن عاصم، انظر وفيات الأعيان لابن خَلِّكان 4/103.

(2) _ انظر التنبيهات اللطيفة لابن سعدي 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت